وجعل الله ما حفظه من ذلك وجمع1 القلوب عليه حجة على من تعبد بعده2 عليه السلام بشر بعثه، ودلالة لمن3 دعا إلى قبول ذلك ممن لم يشاهد الأخبار، وأكمل الله عز وجل لجميعهم طرق الدين، وأغناهم عن التطلع إلى غيرها من البراهين، ودل على ذلك بقوله عز وجل: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الأِسْلامَ دِينًا} 4، وليس يجوز أن يخبر الله عز وجل عن إكماله الدين مع الحاجة إلى غير ما أكمل لهم الدين به.
وبين النبي صلى الله عليه وسلم معنى ذلك في حجة الوداع لمن كان بحضرته من الجم الغفير من أمته عند اقتراب أجله، ومفارقته لهم صلى الله عليه وسلم بقوله5:"اللهم هل بلغت …"6.
1 في (ت) "وجميع".
2 ساقطة من (ت) ، ومكانها كلمة"تعبد"مكررة.
3 في (ت) "إلى من".
4 المائدة آية: (3) .
وهذه الآية حجة قاطعة على الذين يدخلون البدع والمحدثات في الإسلام متوهمين أن ذلك من القربات، وهي في الحقيقة جلب لغضب الله وسخطه، وقد روى ابن جرير أن ابن عباس قال في الآية:"أخبر الله نبيه صلى الله عليه وسلم والمؤمنين أنه قد أكمل لهم الإيمان فلا يحتاجون إلى زيادة أبدًا، وقد أتمه الله عز ذكره فلا ينقصه أبدًا وقد رضيه فلا يسخطه أبدًا". (انظر: تفسير الطبري 9/518 طبعة أحمد شاكر) .
ويقول ابن حجر في تعليقه على الآية:"… وإذا كان الدين قد كمل فلا تكون الزيادة فيه إلا نقصانًا في المعنى، مثل زيادة أصبع في اليد، فإنها تنقص قيمة العبد الذي يقع به ذلك". (انظر: فتح الباري 13/352 المطبعة السلفية بالقاهرة) .
ويناقش القاسمي - رحمه الله - الذين يستخدمون الرأي بعد هذا البيان والإكمال فيقول:"ويكفي في دفع الرأي، وأنه ليس من الدين قول الله تعالى هذا، فإنه إذا كان الله قد أكمل دينه قبل أن يقبض إليه نبيه صلى الله عليه وسلم فما هذا الرأي الذي أحدثه أهله بعد أن أكمل الله دينه؟ لأنه إذا كان من الدين في اعتقادهم فهو لم يكمل عندهم إلا برأيهم، وهذا فيه رد للقرآن، وإن لم يكن من الدين فأي فائدة في الاشتغال بما ليس منه؟ وما ليس منه فهو رد بنص السنة المطهرة كما ثبت في الصحيح، وهذه حجة قاهرة ودليل باهر لا يمكن أهل الرأي أن يدفعوه بدافع أبدًا". ثم يقول:"فمن جاء بشيء من عند نفسه وزعم أنه من ديننا قلنا له: إن الله أصدق منك، ومن أصدق من الله قيلًا، اذهب لا حاجة لنا في رأيك وليت المقلدة فهموا هذه الآية حق الفهم حتى يستريحوا ويريحوا". (انظر: محاسن التأويل 6/1836) .
وعلى هذا يمكن القول بأن كل من أدخل في الدين شيئًا من عند نفسه فقد عصى الله ورسوله، وخرافة البدعة الحسنة والبدعة السيئة في دين الله لا مجال لها هنا، لأن كل بدعة في الدين ضلالة.
5"بقوله"ساقطة من (ت) .
6 هذا جزء من حديث رواه البخاري عن ابن عباس في كتاب الحج باب الخطبة أيام منى وفيه يقول:"ثم رفع رأسه فقال: اللهم هل بلغت؟ اللهم هل بلغت؟". (انظر 2/191) ، كما أخرجه في كتابه خلق أفعال العباد ص167، 182، وأحمد في مسنده 1/30، كما أخرجه مسلم في صحيحه عن جابر بلفظ:"اللهم أشهد؟ اللهم أشهد؟ ثلاث مرات". (انظر كتاب الحج باب 19 ج2/890، وأخرجه البخاري بهذا اللفظ في كتابه خلق أفعال العباد ص183.
قال ابن كثير:"وقد شهدت له أمته ببلاغ الرسالة وأداء الأمانة واستنطقهم بذلك في أعظم المحافل في خطبته يوم حجة الوداع، وقد كان هناك من الصحابة نحو من أربعين ألفًا" (انظر تفسير ابن كثير 3/142) .
وقال المقريزي:"والحق الذي لا ريب فيه أن دين الله تعالى ظاهر لا باطن فيه، وجوهر لا سر تحته، وهو كله لازم كل أحد لا مسامحة فيه ولم يكتم رسول الله صلى الله عليه وسلم من الشريعة ولا كلمة ولا أطلع أخص الناس به من زوجة أو لد عم على شيء من الشريعة كتمه عن الأحمر والأسود ورعاة الغنم، ولا كان عنده صلى الله عليه وسلم سر ولا رمز ولا باطن غير ما دعا الناس كلهم إليه، ولو كتم شيئًا لما بلغ كما أمر، ومن قال هذا فهو كافر بإجماع الأمة". (انظر: الخطط 3/313) .
وبهذا يندفع قول من قال بالظاهر والباطن من الزنادقة كالباطنية والرافضة وغيرهم من الذين أولوا أحكام الشريعة على وجه يؤدي إلى رفع الشريعة. (انظر: مقالات الإسلاميين 1/65، والفرق بين الفرق ص81، والتبصير في الدين ص83، واعتقادات فرق المسلمين والمشركين للرازي ص119) لتقف على شيء من أمر هؤلاء الملاحدة.