والإنسان بعد ذلك .. الإنسان الذي ملأه غرور العلم .. وأصابته لوثة التطور .. ذلك الإنسان يتطور. تتغير حياته يومًا بعد يوم، ويستحدث جديدًا كل يوم. ولكنه مع ذلك خاضع للنواميس. النواميس التي تدخل التطور في حسابها، فإذا التطور ذاته جزء من القانون الثابت الذي يحكم الكون ويحكم الحياة!
يتطور الكون .. فهل تغيرت طبيعته؟ هل تغير تكوُّنه من طاقة أو مجموعة من الطاقات؟
كلا! لم يقل بذلك أحد من العلماء! وإنما تتغير"صوره"و"حالاته"ويظل جوهره ثابتًا على ما هو عليه.
ثم .. هل تغيرت الحقيقة السابقة على ذلك .. حقيقة الأزل والأبد وهي صدور الوجود عن إرادة الله؟
كلا! لا يقول بذلك أحد من العقلاء! فالكون في وجوده، كالكون في تطوره. كالكون في فنائه حين يقدر له الفناء، صادر عن إرادة الله، مرتبط دائمًا بإرادة الله.
والإنسان كذلك يتطور .. فهل تتغير طبيعته؟ أم تتغير صوره وحالاته ويثبت الجوهر الذي فيه؟
هل تتغير الحقائق الأزلية في تكوينه:
أنه صدر عن إرادة رَبُّكَ: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً) [120] .
وأن البشر جميعًا من نفس واحدة: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ) [121] .
وأن من هذه النفس - أي من جنسها - قد خلق"الزوج"الذي يكملها ويلتقي بها ويوائمها: (خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا) [122] (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً) [123] .
وأن من هذه النفس وزوجها انبث الخلق كلهم والقبائل والشعوب (خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً) [124] . (وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) [125] .
وأن الإنسان قبضة من طين الأرض ونفخة من روح الله. قبضى من طين الأرض تتمثل فيها عناصر الأرض المادية من حديد ونحاس وكلسيوم وفوسفور وأكسجين وإيدروجين، وتتمثل فيها شهوات الأرض ودوافع الأرض. ونفخة من روح الله تتمثل فيها روح الإنسان الشفيفة القادرة على السمو والرفعة، كما تتمثل فيها الإرادة الضابطة والقدرة على الاختيار: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ) [126] (فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ) [127] (وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا) [128] .
هل تتغير هذه الحقائق الأزلية مهما تغيرت"مظاهر"الحياة؟ أم تتغير المظاهر والأصل في ثبوته لا يزال؟
وهل الإنسان في ذلك إلا بضعة من الناموس الأكبر الذي يحكم الكون ويحكم الحياة؟ بضعة محكومة بذلك الناموس، خاضعة لإرادة الله؟
كل ما في الأمر أن الله قد ميز هذا المخلوق وكرمه حين نفخ فيه من روحه؟ فجعله"واعيًا"لعملية الثبوت وعملية التطور. وجعل له الإرادة التي يختار بها طريقه: مع الخط الواصل المهتدي إلى الله، أو مع الخط الضال المنقطع عن الله. وجعل هذا الازدواج في طبيعته هو الناموس الثابت بالنسبة لدوره في الحياة، الذي يترتب عليه الجزاء في أخراه: (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا) .
في الإنسان إذن عنصر ثابت لا يتغير مهما تغيرت ظروفه، ومهما تطورت حياته على الأرض. لأنه يتصل بحقائق أزلية لا يدركها التغيير.