لا شبهة إذن في أن الشخص الذي يقتله المسلم مستحق للقتل. مستحق لأنه كافر، أو مرتد، أو قاتل، أو زان محصن، أو مفسد في الأرض، مثير للفتنة، خارج على السلطان القائم على شريعة الله.
ولا شبهة في أن هذا القتل يتم بإذن من الله. بل بأمر منه وتحريض: (وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ) [65]
ومع ذلك فالرسول صلى الله عليه وسلم يأمر بإحسان القتل!
ونعود إلى قصة الذبيحة فنراها تنطبق مرة أخرى على القتيل.
إن القتيل لن يستفيد شيئًا من أن تحسن قتلته. فهو مفارق الدنيا. والألم واقع به ما له عنه من محيص. فيستوي أن تحسن أو لا تحسن أو أن الفارق في الحقيقة ضئيل.
فما القيمة العملية من إحسان القتل بالنسبة للقتيل؟ لا شيء بطبيعة الحال!
ولكن القيمة الكبرى - مرة أخرى - هي لك أنت. هي أن يكون لك قلب إنسان!
ولكن حديث الرسول الكريم لا يقف عند هذين الأمرين: الذبحة والقتلة، وإنما يسوقهما فقط على سبيل المثال.
وبسبب هذين المثالين قد يغلب على الظن أن الرحمة وحدها هي المقصود من الحديث.
ولكن الأمر ليس كذلك. فالمقصود هو"الإحسان". والرحمة صورة من صور الإحسان.
"إن الله كتب الإحسان على كل شيء"والإحسان - هنا، كما في الحديث السابق - هو الأداء الحسن. الأداء الكامل. الأداء المتقن. الأداء الجميل.
والمثالان المذكوران هما المشير الذي يبين الاتجاه. الاتجاه إلى"الإنسانية".
إن الخلاصة المستفادة من المثالين: أن الإنسان لا ينبغي أن يندفع مع دوافعه الطبيعية ويترك لها العنان. إنما ينبغي وهو يأخذ في التنفيذ أن يهذب الوسائل وينظف الأداء، ليكون جديرًا بتكريم الله له والخلافة في هذه الأرض.
ومن ثم فالحديث واسع شامل يشمل كل عمل وكل فكرة وكل شعور.
إنه بنص اللفظ يشمل"كل شيء". هكذا على الاتساع. وهو يعبر عن فكرة إسلامية أصيلة، أو فكرتين تلتقيان عند هدف واحد.
أن الإسلام لا يكتفي بأداء الأعمال - كل الأعمال - على أية صورة، وإنما يتطلب"الإحسان"في الأداء.
وإنه لا يقنع من الناس أن يؤدوا ضروراتهم بلا زيادة، بحجة أنها ضرورة، وإنما يتطلب الإحسان في التنفيذ.
المعنى الأول واضح في قول الرسول صلى الله عليه وسلم:"إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملًا أن يتقنه" [66] وواضح كذلك في أمر الذبحة والقتلة.
فالمطلوب هو الإتقان الذي تصحبه مشاعر الإنسانية. ويصحبه الإحساس بالله في قرارة الضمير، والعمل من أجل خشيته ومن أجل مثوبته ورضاه."تعبد الله كأنك تراه".
والمعنى الثاني واضح في سيرة الرسول وأحاديثه الكثيرة التي تهدف إلى تهذيب النفس، خاصة وهي تؤدي ضروراتها الغليظة التي ليس عنها محيص.
ونضرب مثالين من أدق الأمثلة وأدلها على ما نريد: قضاء"الضرورة"وشئون الجنس.
"عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا يتناجى اثنان على غائطهما، ينظر كل واحد منهما إلى عورة صاحبه، فإن الله يمقت ذلك"رواه أبو داود وابن ماجه.
"عن جابر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: اتقوا الملاعن الثلاث: البراز في الموارد، وقارعة الطريق والظل"رواه أبو داود وابن ماجه
وعن أبي أيوب:"إذا أتى أحدكم الغائط فلا يستقبل القبلة ولا يولها ظهره. شرقوا أو غربوا"رواه البخاري.
"وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من لم يستقبل القبلة ولم يستدبرها في الغائط كتب له حسنة ومُحي عنه سيئة"رواه الطبراني.