ولكن الفقه الإسلامي وقف عند هذا الحد - هو حد رفيع في ذاته - لأن العالم الإسلامي بعد ذلك تناوشته المصائب من كل صوب ، من التتار مرة ، ومن الحكام الجبابرة مرة ، ومن نكبة الأندلس ، ومن المنازعات الداخلية التي صرفت طاقة المسلمين عن التقدم ، وحولتها إلى بلادة ذهنية وروحية وحسية ظل يعاني آثارها إلى وقت قريب .
وفي أثناء وقوف الفقه الإسلامي كان العالم يتطور بسرعة بعد اختراع الآلة الميكانيكية ، وكانت تستجد كل يوم أحداث جديدة ، وعلاقات جديدة بين طوائف البشر ، لم يشترك فيها العالم الإسلامي ، ولم يضع لها من الفقه ما يناسب تطورها .
ولكن الفقه شيء والشريعة شيء آخر ، الشريعة هي المصدر الثابت الذي يحتوي المبادئ العامة ( ويحتوي أحيانًا تفصيلات دقيقة كذلك ) .
أما الفقه فهو التطبيق المتطور الذي يستمد من الشريعة ما يناسب كل عصر ، وهو عنصر متجدد لا يقف عند عصر ولا جيل .
على أننا إزاء تطور الرأسمالية لم نكن في حاجة إلى تعب كبير في استنباط التطبيق الفقهي من الشريعة ، لأنها أمدتنا بمبادئ صريحة واضحة لا تحتمل التأويل .
يقول مؤرخو الاقتصاد إن الرأسمالية في أثناء تطورها من صورتها البسيطة الخيرة التي كانت عليها في مبدأ الأمر ، إلى صورتها الفاحشة التي وصلت إليها اليوم ، أخذت تعتمد رويدًا رويدًا على الديون الأهلية ، ومن هذه نشأ نظام المصارف التي تنظم العمليات الرأسمالية الكبرى ، وتقرضها ما تحتاج إليه من الأموال لتشغيلها في مقابل ما تأخذه من"الفوائد"والأرباح .
ولا نحتاج هنا أن ندخل في تفصيلات اقتصادية معقدة ، فهذه حقيقة مسلم بها ، وليرجع لكتب الاقتصاد من يرغب في الاطلاع على التفصيلات . وإنما يهمنا أن نشير إلى أن هذه القروض ، وجملة من أعمال المصارف ، قائمة على الربا وهو محرم تحريمًا صريحًا في الإسلام .