الصفحة 204 من 251

ولكنا نعتقد أن الخط السياسي - مهما يكن من تأثيره في مجرى الأحداث - ليس هو الذي يُقرّر - في قدر الله - مصاير الأمور.. ولا كذلك الأحوال الاقتصادية التي يرى بعض الناس أنها أشدّ فاعلية في تقرير مصاير الأمور من الخط السياسي، إذا يعتبرون الأوضاع السياسية إن هي إلا حصيلة الأوضاع الاقتصادية في نهاية الأمر.

والذي نعتقده أن الذي يُقرّر المصير هو"المنهج"الذي يحكم الحياة كلها، بجوانبها جميعًا: السياسية والاقتصادية والاجتماعية والفكرية والخلقية، والذي يُحدّد وضع"الإنسان"وأحواله مع ربه، وأحواله مع نفسه، وأحواله مع الآخرين.

وصحيح أن من سنة الله - كما أسلفنا القول - أن يُمكن لأصحاب المنهج الفاسد، بل قد يزيدهم تمكينًا كلما أمعنوا في الفساد:

(كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا) . [سورة الإسراء، الآية 20] .

(فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ) . [سورة الأنعام، الآية 44] .

ولكن سنة الله تقول: إنه تمكين موقوت مهما طال، وإن هناك علامات يمكن أن يستشف منها بوادر التدمير:

(فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ، فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) . [سورة الأنعام، الآيتان 44، 45] وليست البغتة هي الصورة الوحيدة للأخذ في سنة الله:

(أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ، أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ، أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُوفٌ رَحِيمٌ) . [سورة النحل، الآيات 45 - 47] .

ولكنه في جميع الأحوال يأخذهم..!

ومن هنا فإن أحد الخطوط الواضحة في توقعات المستقبل أن يأخذ الله هذه الجاهلية بصورة من الصور إن هي أصرّت على المضي فيما هي فيه، ولم تغير حالها مع الله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت