كيف فسدت مفاهيم الإسلام في حس تلك القرون المتأخرة؟
لا شك أن هناك أسبابًا كثيرة تضافرت حتى زحزحت المسلمين عن حقيقة دينهم، وهم يحسبون على الدوام أنهم"متمسكون"بالدين! وحتى إن أدركوا أنهم مقصرون - ولا بد أن يُدركوا ذلك بين الحين والحين - أسرع إليهم من يُوهمهم أنهم في مغفرة الله مهما فعلوا، حتى وقعوا فيما وقعت فيه بنو إسرائيل:
(فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا) . [سورة الأعراف، الآية 169] .
"ورثوا الكتاب"! أي أخذوه وراثة واتخذوه تراثًا! ولم يشعروا أنه كتابهم هم، المنزل إليهم ليعملوا بمقتضاه! إنما هو كتاب الآباء والأجداد، وهم مجرد ورثة له، غير مكلفين بالعمل بما جاء فيه!!
لقد كانت هناك زحزحة مستمرة - استمرت من عمر الأمة عدة قرون - تبعد الناس رويدًا رويدًا عن حقيقة الدين، وتأتي صحوات عابرة، على أيدي العلماء والدعاة والمصلحين، ثم تعود الأمة إلى غَفْوتها أكثر انحرافًا من ذي قبل، وأكثر بعدًا عن حقيقة الدين (1) .
وفي النهاية تحقق النذير: تداعت عليهم الأمم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها، بينما هم كثير كثير.. ألف مليون من البشر.. أكبر عدد وصلوا إليه في التاريخ..
وفي القرنين الأخيرين كانت الكارثة التي لا تزال تعيش الأمة عقابيلها إلى هذه اللحظة.
ظلت الصليبية الصهْيونية تتآمر على الدولة العثمانية حتى قضت عليها في النهاية وأسقطتها. وفتتت العالم الإسلامي إلى دويلات صغيرة هزيلة ضعيفة، تتصارع فيما بينها وتتشاحن بما يُحقق مصالح الأعداء دائمًا، ويحقق لهم السيطرة على مقدّرات المسلمين!
(1) انظر تفصيل الحديث في ذلك في كتاب"واقعنا المعاصر"، فصل"خط الانحراف"، وفصل"آثار الانحراف".