إن هذه الحقيقة ليست أهميتها فقط في تصحيح التصور الإيماني - وإن كل هذا التصحيح في ذاته غاية ضخمة، يقوم عليها بناء الحياة كله - بل إن أهميتها تتجلى كذلك في حسن تذوق الحياة، وبلوغ هذا التذوق أعلى درجات الكمال والتناسق، فقيمة الحياة الإنسانية ذاتها ترتفع حين تصبح كلها عبادة لله، وحين يصبح كل نشاط فيها - صغر أم كبر - جزءًا من هذه العبادة، أو كل العبادة، متى نظرنا إلى المعنى الكبير الكامل فيه، وهو إفراد الله سبحانه بالألوهية، والإقرار له وحده بالعبودية ... هذا المقام الذي لا يرتفع الإنسان إلى ما هو أعلى منه، ولا يبلغ كماله الإنساني إلا في تحقيقه، وهو المقام الذي تلقى الوحي من الله، وحالة الإسراء والمعراج أيضًا؛ {تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرًا} [سورة الفرقان:1] ، {سبحان الذي أسرى بعبده ليلًا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حولهن لنريه من آياتنا، إنه هو السميع البصير} [الإسراء: 1] .
ويتحدث الأستاذ المهتدي محمد أسد - ليوبولدفايس - في كتابه؛"الإسلام على مفترق الطرق"حديثًا دقيقًا عن الفرق بين التصور الإسلامي والتصورات الأخرى في هذا الشأن، وعن أثر ذلك التصور في الشعور بجدية الحياة وأهمية كل حركة فيها، باعتباره الوسيلة الوحيدة لبلوغ الإنسان أقصى درجات الكمال الإنساني في هذه الحياة الدنيا.
فيقول في فصل بعنوان"سبيل الإسلام": (يختلف إدراك العبادة في الإسلام عما هو في كل دين آخر [40] ... إن العبادة في الإسلام ليست محصورة في أعمال من الخشوع الخالص، كالصلاة والصيام مثلًا، ولكنها تتناول"كل"حياة الإنسان العملية أيضًا، وإذا كانت الغاية من حياتنا على العموم"عبادة الله"فيلزمنا حينئذ، ضرورة، أن ننظر إلى هذه الحياة في مجموع مظاهرها على أنها تبعة أدبية، متعددة النواحي، وهكذا يجب أن نأتي أعمالنا كلها - حتى تلك التي تظهر تافهة - على أنها عبادات، وأن نأتيها بوعي، وعلى أنها تؤلف جزءًا من ذلك المنهاج العالمي الذي أبدعه الله، تلك حال ينظر إليها الرجل العادي على أنها مثل أعلى بعيد، ولكن أليس من مقاصد هذا الدين أن تتحقق المثل العليا في الوجود الواقع؟
إن موقف الإسلام في هذا الصدد لا يحتمل التأويل، إنه يعلمنا أولًا أن عبادة الله الدائمة، والمتمثلة في أعمال الحياة الإنسانية المتعددة جميعها، هي معنى الحياة نفسها، ويعلمنا ثانيًا أن بلوغ هذا المقصد يظل مستحيلًا ما دمنا نقسم حياتنا قسمين اثنين: حياتنا الروحية، وحياتنا المادية ... يجب أن تقترن هاتان الحياتان في وعينا وفي أعمالنا، لتكون"كلاًّ"واحدًا متسقًا ... إن فكرتنا عن وحدانية الله يجب أن تتجلى في سعينا للتوفيق والتوحيد بين المظاهر المختلفة في حياتنا.
هناك نتيجة منطقية لهذا الاتجاه، هي فرق آخر بين الإسلام وسائر النظم الدينية المعروفة، ذلك أن الإسلام - على أنه تعليم - لا يكتفي بأن يأخذ على عاتقه تحديد الصلاة المتعلقة بما وراء الطبيعة، فيما بين المرء وخالقه فقط، ولكن يعرض أيضًا - بمثل هذا التوكيد على الأقل - للصلاة الدنيوية بين الفرد وبيئته الاجتماعية ... إن الحياة الدنيا لا ينظر إليها على أنها صدفة عادية فارغة، ولا على أنها طيف خيال للآخرة، التي هي آتية لا ريب فيها، من غير أن تكون منطوية على معنى ما، ولكن على أنها وحدة إيجابية تامة في نفسها، والله تعالى"وحده"لا في جوهره فحسب، بل في الغاية إليه أيضًا ... من أجل ذلك كان خلقه وحده، ربما في جوهره، إلا أنه وحدة في الغاية منه بكل تأكيد.