الصفحة 55 من 110

إن الضغوط ليست في حقيقتها متساوية في القهر بالنسبة للإنسان .. فمنها ما هو قاهر بالفعل كضرورة الطعام والشراب .. ومنها ما هو ضروري بالفعل ولكن ليس إلى درجة القهر، كالنوم والراحة والأمن والسلامة وما أشبه .. ومنها هو كمالي يلتذ الإنسان بوجوده، ولكنه لا يمثل بالنسبة إليه قهرا ولا ضرورة، بل قد لا يكون ضررا محققا، ولكنه يتحول عند مرضى النفس إلى حاجة لا غنى عنها، أو ضرورة تصل إلى حد القهر كالسيجارة بالنسبة لمدمنها، أو الفراش الوثير عند المترف المترهل.

فإذا كان هذا حال الضغوط الداخلية التي يدوس الطغاة عليها من الخارج لتقهر الناس على الخضوع لهم .. فالناس من الجانب الآخر ليسوا سواء في الخضوع.

نستطيع -بصفة عامة- أن نقسم الناس تلقاء الضغوط إلى ثلاثة أقسام كبرى، ناشئة من ثلاثة مواقف مختلفة، فهناك أصحاب العقيدة الراسخة، الذين توهجت العقيدة في قلوبهم حتى صارت لهم نورا يمشون به في الناس.

ومنهم أصحاب عقيدة، ولكنها لا تبلغ عندهم ذلك الرسوخ ولا ذلك التوهج، فهي موجودة ولكنها ليست دائما هي صاحبة السلطان في نفوسهم، ومن ثم يتبعونها حينا، ويتبعون الهوى حينا آخر، حين يضعف أثرها فتبرز الشهوات والأهواء.

ومنهم جاهليون أولو عقيدة فاسدة، أو ليست لهم عقيدة في الله أصلا:

(إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ، لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ، خَافِضَةٌ رَّافِعَةٌ، إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا، وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا، فَكَانَتْ هَبَاء مُّنبَثًّا، وَكُنتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً، فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ، وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ، وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ، أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ) [سورة الواقعة: 1 - 11] .

وهي أقسام ثلاثة في الآخرة تمثل نهاية المطاف بالنسبة للأقسام الثلاثة الذين ذكرناهم من قبل [1] .

وهي في الوقت ذاته مواقف مختلفة إزاء الضغوط التي يتعرض لها الإنسان في الحياة الدنيا، سواء كانت ضغوطا مادية أو اقتصادية أو ساسية أو اجتماعية .. إلخ.

فأما أصحاب العقيدة الراسخة فهم يكتبون سطورا بارزة في صحيفة التاريخ .. سطورا مشرقة مضيئة، تظل تتلألأ على مدى التاريخ، كتلك التي كتبها سحرة فرعون، وأصحاب الأخدود، وجيل الصحابة رضوان الله عليهم .. وهم قلة في التاريخ كله:

(ثُلَّةٌ مِّنَ الْأَوَّلِينَ، وَقَلِيلٌ مِّنَ الْآخِرِينَ) [سورة الواقعة: 13 - 14] .

ولكنهم قلة ممتازة فائقة، ترسم نماذج لاستعلاء الإنسان فوق كل الضغوط، وكل الضرورات .. حتى ضرورة الحياة! من أجل"مبدأ"، من أجل"عقيدة"من أجل"معنى"أجلّ في نفوسهم من كل متاع الأرض .. بل من الحياة ذاتها، التي من أجلها يستعبد العبيد، ويقبلون الخضوع للطغيان.

إنهم قلة، نعم، ولكنها قلة تستحق التسجيل، وتستحق الإشادة، وتستحق أن تفرد لها في سجل التاريخ صفحات وصفحات، لأنها النموذج الهادي، الذي يشد الناس إلى أعلى كلما ذكروه، أو كلما عرض أمامهم، فيحاولون الارتفاع.

وأعجب لهذه الجاهلية! تكتب مئات الصفحات لتشيد بعداء كسر الرقم القياسي لسرعة العدو .. ثم لم يصنع شيئا بعد ذلك إلا أن ظل يعدو على سطح الأرض! وتستنكف أن تخصص صفحات من أوراقها للذين كسروا حاجز الخوف، وحاجز الحرص على الحياة، وكل الحواجز التي تقف في طريق الإنسان، ليستعلوا على الأرض كلها، ويرسموا صورة واقعية للإنسان المثال!

(1) واضح أن الترتيب في الآيات قد وضع"أصحاب الميمنة"مقابل"أصحاب المشأمة"ثم خص"السابقين"بذكر خاص.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت