حدث في أثناء اكتشاف توابع الشمس [1] أن رؤي أحد الكواكب بالمنظار الفلكي، ولكن مجاله الذي رصده المنظار كان مخالفا لتقدير الفلكيين الذي قدروه له بحساب حجمه، وبعده عن الشمس، وبعده عن الكواكب الأخرى التي كانت قد كشفت في ذلك الوقت. فرجح الفلكيون أن يكون هناك كوكب آخر أبعد منه، لا تدركه مناظير ذلك الزمان، يدور في فلك معين، يؤثر في مجال هذا الكوكب الذي رصدوه. وبالفعل سعى الفلكيون إلى صناعة منظار أبعد مدى، فوجدوا الكوكب الجديد في الموضع الذي قدروه له بمقتضى حساباتهم الفلكية المبنية على دقة الفلك وانضباطه وعدم تذبذب قوانينه.
والسنن الربانية في الحياة البشرية دقيقة تلك الدقة، منضبطة ذلك الانضباط، وهي تعمل مجتمعة كما أسلفنا القول، فيكون من حصيلتها في الحياة البشرية ما هو كائن بقدر الله.
ومن ثم فإنه لا بد من العمل بمقتضى السنن الربانية للوصول إلى النتائج المحددة المطلوبة. ومخالفة السنن لا يتأتى عنها إلا النتائج المنصوص عليها في كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ولقد أدرك هذه الحقيقة مفكر غير مسلم، هو"ألكسيس كاريل"حيث يقول في كتابه"الإنسان ذلك المجهول":
"قبل أن أبدأ هذا الكتاب كنت أدرك تماما صعوبة هذا العمل بل استحالته تقريبا، ولكني شرعت فيه لأنني كنت أعلم أن شخصا ما لا بد سيؤديه .. لأن الناس لا يستطيعون أن يتبعوا الحضارة العصرية في مجراها الحالي، لأنهم آخذون في التدهور والانحطاط. لقد فتنهم جمال علوم الجماد. إنهم لم يدركوا أن إحساسهم وشعورهم يتعرض للقوانين الطبيعية [2] وهي قوانين أكثر غموضا وإن كانت تتساوى في الصلابة مع القوانين الدنيوية [3] كذلك فهم لم يدركوا أنهم لا يستطيعون أن يعتدوا على هذه القوانين دون أن يلاقوا جزاءهم" [4] .
".. نحن وحدنا المسئولون، لأننا لم نستطع التمييز بين الممنوع والمشروع .. لقد نقضنا قوانين الطبيعة، فارتكبنا بذلك الخطيئة العظمى، الخطيئة التي يعاقب مرتكبها دائما ... إن مبادئ"الدين العلمي"والآداب الصناعية قد سقطت تحت وطأة غزو"الحقيقة البيولوجية".. فالحياة لا تعطي إلا إجابة واحدة حينما تستأذن في السماح بارتياد الأرض المحرمة .. هي إضعاف السائل. ولهذا فإن الحضارة آخذة في الانهيار، لأن علوم الجماد قادتنا إلى أرض ليست لنا، فقبلنا هداياها جميعا بلا تمييز ولا تبصر. ولقد أصبح الفرد ضيقا متخصصا، فاجرا، غبيا، غير قادر على التحكم في نفسه ومؤسساته [5] ".
والمسلمون أولى أن يدركوا سنن ربهم، التي أبرزها لهم إبرازا في كتابه المنزل وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
أولى لهم أن يحسموا تلك القضايا التي أنبتها الفكر الدخيل في عقائدهم وتصوراتهم، ويعودوا فيستمدوا عقيدتهم وتصوراتهم من منابعها الأصيلة: كتاب الله وسنة رسوله وسيرة السلف الصالح الذي تلقى هذا الدين من كتاب الله وسنة رسوله مباشرة بغير فكر دخيل.
إن فكر المرجئة، الذين يقولون إن الإيمان هو التصديق، أو هو التصديق والإقرار، وإن العمل خارج عن مسمى الإيمان، هو فكر مصادم مصادمة مباشرة للسنن الربانية.
وإن فكر المتواكلين الذين يضربون على صدورهم ويقولون إن ربك رب قلوب، وما دام قلبك عامرا بالإيمان فلا يهمك العمل! فكر مصادم للسنن الربانية.
(1) توابع الشمس هي الكواكب المعروفة ومنها الأرض والزهرة والمريخ .. الخ.
(2) يقصد السنن الربانية التي تحكم الحياة البشرية.
(3) يقصد السنن الربانية التي تحكم الكون المادي.
(4) ص10 - 11 من الترجمة العربية -ترجمة شفيق أسعد فريد- طبع مكتبة المعارف ببيروت.
(5) ص322 من الترجمة العربية.