وهل يعقل أن يخضع هذا الإله لإله؟ أو أن يستجيب لأوامره ونواهيه؟ أم يكون المنطقي مع هذا التصور أن يقال إن الإله الذي عبده الإنسان ردحا من الزمن، كان شيئا من تصوراته الخاصة بسبب من ملابسات خاصة مرت به، وإنه الآن -بعد أن تعلم وسيطر على البيئة- قد تحرر من ذلك الوهم الذي عرقل تقدمه فترة من الزمن وأصبح طليقا يصنع بنفسه ما يشاء- بعد أن أخذ على عاتق نفسه ما كان يلقيه من قبل في عصر العجز والجهل على عاتق الله، ومن ثم أصبح هو الله! [1] . ويكون المنطقي أن يقال إن الأخلاق أمر نسبي دائم التغير، فهي في كل مرحلة من مراحل حياة الإنسان تصاغ صياغة تناسب أحواله وظروفه وملابساته، ثم تتغير وتتغير وتتغير مع كل تغير جديد يصيب أحواله وظروفه وملابساته، ثم تتغير وتتغير وتتغير مع كل تغير جديد يصيب أحواله وملابساته، حتى يصل إلى مرحلة يفتت فيها كل أخلاقياته القديمة ويلقي بها في البحر، ويصطنع أخلاقا جديدة ليس فيها أخلاق؟
من هنا يتضح لنا كيف يتسق التفسير المادي للتاريخ بقسميه (الشرقي والغربي) مع تصور القوم للإنسان. ويتضح لنا كيف أن الانحرافات التي نحسبها جزئية في ذلك التفسير ليست جزئية في الحقيقة، ولا هي عارضة بحيث يمكن التجاوز عنها، إنما هي أصيلة فيه، نابعة من نقطة مركزية في بنيانه الأساسي، هي نظرته المبدئية للإنسان.
وحين نعيد قراءة التاريخ الذي تقدمه لنا أوروبا على ضوء هذه الحقيقة لا نعجب حين نرى الإشادة الضخمة بالجاهليات الفرعونية والرومانية والإغريقية وغيرها .. ونرى في الوقت ذاته"التعتيم"على فترات الهدى في حياة البشرية.
إنه أمر لا يأتي جزافا! ولا هو هوى شخصي لهذا المؤرخ أو ذاك .. إنما هو اتجاه عام له منشؤه في حياتهم، وله تفسيره في أفكارهم ومعتقداتهم .. نابع كله من نظرتهم الأساسية للإنسان.
حقيقة إن النفور من الدين الذي أورثتهم إياه الكنيسة الأوروبية بفظاظتها وحماقاتها له تأثيره الخفي أو الواعي في إشادتهم بتلك الجاهليات الوثنية -مكايدة للكنيسة وإلهها الذي استعبدت باسمه الناس! - وله تأثيره كذلك في التعتيم على فترات الهدى، والتقليل من شأنها، ومحاولة إسقاطها من التاريخ، لذات الهدف وهو مكايدة الكنيسة، ومحاولة الإيهام بأن المعنى الرئيسي الذي كانت الكنيسة تقف من أجله -وهو الدين- أمر لا وزن له في تاريخ البشرية!
كل ذلك حقيقة، وهو يكفي وحده لتفسير مسلكهم في التفسير التاريخي .. ولكن حين تضاف إليه الحقيقة الأخرى الخاصة بتصورهم لحقيقة الإنسان، وهي في تصورهم أهم وآكد، يصبح الأمر واضحا تماما، ولا يصبح شيء مما يقولونه في تأريخهم موضع العجب أو الاستغراب. ويصبح موقف"الطيبين"منا، الذين يعتقدون أن المنهج الغربي منهج"علمي"سليم في أثوله ولكن به"بعض"الانحرافات التي يمكن أن نتلافاها نحن أو نتجاوز عنها .. يصبح هذا الموقف في حاجة إلى تعديل جذري على ضوء هذه الحقيقة وتلك ..
لا بد أن نبدأ من هذه النقطة المبدئية .. ما الإنسان؟
وحين ننطلق من هذه النقطة نقع مع المنهج الغربي في إشكال آخر .. إذ أنه: من أين نستمد معرفتنا بالإنسان؟
يقول المنهج"العلمي"الغربي إنه لا يجوز لنا أن ننطلق من مقررات مسبقة في بحثنا عن أية حقيقة من الحقائق -بما في ذلك حقيقة الإنسان- إنما نبدأ من مشاهدتنا المحسوسة، من تجربتنا"المعملية"من دراستنا الموضوعية"، ثم ننتهي إلى النتائج التي تؤدي بنا إليها هذه التجربة المعملية الموضوعية."
(1) هذه أقوال جوليان هكسلي في كتابه (الإنسان في العالم الحديث) .