الصفحة 100 من 110

وأما التفسير الليبرالي فإنه -على طريقته في إقرار الأمر الواقع ما دام قد وقع بالفعل! - لا يختلف كثيرا عن التفسير الجدلي، على الأقل في القول بأن استقلال المرأة الاقتصادي قد أدى إل تحلل علاقات الأسرة وحرية العلاقات الجنسية -كما سبق من كلام ول ديورانت -وأن هذه هي"أخلاقيات"العصر الصناعي المتطور!

نقول -بصرف النظر عن هذا الجدل كله- إن الفوضى القائمة اليوم ليست شيئا"جديدا""متطورا"كما يصوره أصحاب الأغراض .. فقد مرت على البشرية موجات إثر موجات من الفساد الخلقي، لا تفترق عما هو قائم اليوم، إلا في سعة المساحة فحسب! وحتى"الشرعية"فقد أعلن مزدك شرعية الفساد قبل الشيوعية بقرون متطاولة، وعلى ذات الأسس"العلمية!"التي أقامتها عليها الشيوعية!!

وفي كل مرة فشا هذا الفساد كانت نتيجته واحدة .. لأن سنن الله لا تتغير ولا تتبدل.

والذين يكفرون بالله ورسله لا يصدقون أن لله سننا لا تتبدل! ولا يصدقون أن الله سيعاقبهم على مخالفة أوامره، لأنهم يحسبون أنهم ما داموا هم لا يؤمنون بالله فهو غير موجود حقيقة، أو غير قادر على الوصول إليهم!! وصدق الله العظيم:

(قُلِ انظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَن قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ) [سورة يونس: 101] .

فقد كانت مصيبة"الإيدز"وحدها كافية لرد الزائغين عن الطريق إلى الله، وتذكيرهم بقدرته عليهم سبحانه .. ولكنهم لا يرعوون:

(وَلاَ يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِّن دَارِهِمْ حَتَّى يَاتِيَ وَعْدُ اللّهِ إِنَّ اللّهَ لاَ يُخْلِفُ الْمِيعَادَ) [سورة الرعد من الآية: 31] .

فإذا مضينا خطوة أخرى في البحث عن الثابت والمتطور في الحياة البشرية فإننا نسأل: ما الذي تغير في دوافع الإنسان، إذا كان تكوينه"الإنساني"حقيقة مقررة، بصرف النظر عن منشئه في الماضي السحيق؟

هل تغير حبه للحياة وحرصه عليها؟ هل تغير ميله إلى الجنس الآخر؟ هل تغيرت رغبته في"الملك"وفي"السيطرة"وفي"إثبات الذات"؟ وفي"الاجتماع بالآخرين"؟ وفي"الامتداد"عن طريقة الذرية؟ هل تغيرت رغبته في التعرف على الكون المادي من حوله، ومحاولة تسخير طاقاته لتحسين حياته وتزيينها والاستزادة من متاع الحياة الدنيا؟

(زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ... ) [سورة آل عمران: 14] .

ما الذي تغير في دوافع الإنسان الأصيلة التي تحركه للعمل والنشاط في الأرض ليقوم بعمارتها لتحقيق مهمة الخلافة التي خلق من أجلها؟

نعم .. تغيرت"صورة"الأداء ..

وحين تغيرت صورة الأداء تغيرت مظاهر الحياة ..

ولكن هل تقوّم النفوس بدوافعها الأصية أم بصورة الأداء لهذه الدوافع؟

نضرب مثلا أو أمثلة ..

دافع القتال من الدوافع الأصيلة في النفس البشرية، خلقه الله ليتم من خلاله التدافع الذي يحفظ الأرض من الفساد .. وهو يأخذ اتجاهين اثنين حسب"عقيدة"صاحبه:

(الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ) [سورة الساء: 76] .

وكان القتال في القديم يدور بالسهم والرمح والسيف وما أشبه .. وصار اليوم بالمدافع والدبابات والمصفحات والقنابل الذرية والنووية، وما يمكن أن يجد في المستقبل من أدوات الدمار ..

فما الذي تغير؟!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت