الصفحة 34 من 52

ولما كان المرفوض ذاته قضية صحيحة وهي شهادة بالرسالة للرسول، فإن الآية تتضمن قبل رفضها من المنافقين لنفاقهم صحة هذه الشهادة في ذاتها وهي قول الله: (وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ) [سورة المنافقون الآية: 1] ، قبل قوله سبحانه: (وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ) [سورة المنافقون الآية: 1] ، فعندما تكون القضية هنا واحدة وهي الشهادة بالرسالة.

فيؤكدها القرآن بذاتها. ويرفضها من المنافقين.

فإن هذا يثبت ارتباط قضية الدعوة بصفتها المجردة بالواقع الإيماني والعمل الصحيح لأصحاب الدعوة.

-الثاني: حكمة التبليغ وتتحقق بثلاثة أمور:

أ) تصور الداعية عن مهمة التبليغ:

وهذا التصور يرتكز على عدة حقائق:

-أن الدعوة مجرد سبب في تحقيق غاية الهداية، وهذه الحقيقة تحمي الداعية من الغرور إذا تحققت الاستجابة، ومن اليأس إذا كان الإعراض.

كما أن هذه الحقيقة تحقق للداعية توازنًا تجاه الناس الذين هم موضع دعوته، فلا يلاحق بالتبليغ فردًا تأكد إعراضه أو يهمل آخر لم يتم إبلاغه.

-إن الداعية بدعوته حجة، وهذه الحقيقة تجعل الداعية يبذل أقصي طاقته في التبليغ كاملًا وواضحًا مستغلًا في ذلك أي فرصة يراها متاحة لهذا التبليغ، كما أن هذه الحقيقة تحمي الداعية من أن يبدل أو بغير في دعوته، ودليل ذلك قول الله عز وجل: (وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ) [سورة الكهف الآية: 29] .

إن الدعوة نجاة للداعية نفسه وعذر له عند الله، وهذه الحقيقة تجعل الداعية يواصل دعوته بصرف النظر عن موقف من يدعوهم، ودليل ذلك قول الله: (وَإِذَ قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ) [سورة الأعراف الآية: 164] .

ومع كون الدعوة سبب هداية وحجة على الناس وإعذار للداعية تأتي الحقيقة الأخيرة وهي:

-أن الدعوة حرص كامل من الداعية على من يدعوهم وهذا صاحب سورة ياسين يدعو قومه فيقتلوه ويدخل الجنة وبالرغم من ذلك فإنه لا ينسي قومه الذين قتلوه ولا يخفي أمله في إيمانهم وهو في الجنة: (قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ 26 بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ) [سورة يس الآيتان: 27، 26] .

ب) نظام التبليغ:

والأساس في نظام التبليغ هو عرض قضية التوحيد ابتداء بتبليغ كلمة لا اله إلا الله. وهى حد الإسلام وبذلك يتقرر خضوع الناس لله عز وجل ليبدأ تبليغ التكاليف الشرعية والدليل قول رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ابن عباس رضى الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث معاذا إلى اليمن فقال: (ادعهم إلى شهادة أن لا اله إلا الله وأنى رسول الله فان هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة في أموالهم تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم) [1] ، ولعلنا نلاحظ في الحديث: أن مفهوم الدعوة مرتبط بالشهادتين وأن بقية الأحكام علم يقتضيه الاستجابة لتلك الدعوة، ولذلك قال في الشهادتين (أدعهم) وفي بقية الأحكام (فأعلمهم) .

كما نلحظ: ارتباط التبليغ بموقف من يسمعونه، فإن كان الاستجابة يتقرر استمرار التبليغ، وإن كان الإعراض فإن التبليغ يجب أن يأخذ صورة المواجهة والمعالجة لهذا الأعراض، ولذلك اشترط الرسول صلى الله عليه وسلم الطاعة في كل قضية للانتقال إلى تبليغ قضية أخرى فقال: (فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم) .

(1) أخرجه البخاري (322/ 3) ومسلم رقم (19) عن ابن عباس.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت