الصفحة 14 من 52

وهذا أقرب تعبير يكشف لنا الواقع النفسي لمن يعيش في موضع الاتهام بين الناس وهو بريء، وكما كانت عقلانية العلاقة الإنسانية في مجال الدعوة وجفافها جوًا لظهور الاتهام بالعمالة فإنها كانت عاملًا مساعدًا على تضخيم تلك الظاهرة وذلك من خلال مواجهتها بصورة عقلية بوليسية بحتة.

وإنهاء ظاهرة الاتهام بالعمالة لا يتحقق بالأساليب البوليسية التي قد يتصور البعض أنها وسيلة الاطمئنان، وذلك لسبب بسيط وهو أن الاتهام بالعمالة من الاتهامات التي تفقد المتهم قدرته في الدفاع عن نفسه.

وأقرب تشبيه للاتهام بالعمالة في هذه الناحية هو الاتهام بالجنون. فمثلما تتحول محاولة المتهم بالجنون في الدفاع عن نفسه إلى ظاهرة من ظواهر الجنون في تصور الناس ... فإن أي محاولة يحاولها المتهم بالعمالة للدفاع عن نفسه ستقابل في ذهن الناس على أنها سلوكًا يحتمه دور العمالة الذي يؤديه. فتضيع المحاولة هباء منثورا.

وبذلك نري كيف وضع الاتهام بالعمالة الدعوة في طريق مسدود من حيث الاتهام ذاته ومن حيث فقدان القدرة على مواجهة ذلك الاتهام.

وإذا كان العلاج قد بدا صعبًا أو مستحيلًا فإنه يبدو سهلًا ممكنًا في ضرورة إحكام العلاقة بين الحقائق الإسلامية من حيث التطبيق.

فإذا كان بجانب حقيقة الحذر ... حقيقة التوكل على الله وحقيقة حسن الظن. وحقيقة الإيمان بالقدر خيره وشره لتحقق الاتفاق بين الحقائق ... وهذا هو الإحكام ... وتلك هي الحكمة.

الفكر والقدر:

وبعد أن اتفقنا على ضرورة الإحكام الفكري بتحديد العلاقة بين الحقائق. نريد أن نتفق على تحديد العلاقة بين الفكر ذاته بعد إحكامه وبين القدر الإلهي باعتبار أن قيام الواقع الإسلامي يرجع في النهاية إلى قدر الله ولا يرجع إلى التفكير البشري المحدد لقيام هذا الواقع.

ولذلك يقول ابن القيم في تعريف الحكمة: (الحكمة حكمتان عملية وعلمية فالعلمية الاطلاع على بواطن الأشياء ومعرفة ارتباط الأسباب بمسبباتها خلقًا وأمرًا، قدرًا أو شرعًا) [1] .

وحقيقة أن قيام الواقع الإسلامي يرجع في النهاية إلى قدر الله، بديهية يدركها كل داعية، ولكن هذا الإدراك غالبًا ما يكون مجرد مبدأ نظري لا يؤثر في واقع الحركة من حيث تحديد المنهج أو أسلوب العمل.

والعلاقة بين الفكر والقدر يحددها من حيث الواقع عدة حقائق:

أن التفكير البشري مجرد سبب قد يحدث القدر بدونه وقد يحدث بما يخالفه.

وهذا لوط عليه السلام يبحث بتفكيره عن ركن شديد فيقول: (أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ) [سورة هود، الآية: 80] ، وهو بواقعة يأوي إلى ركن شديد. فيقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (يرحم الله لوطًا لقد كان يأوي إلى ركن شديد) [2] .

وهذا معناه أن قدر الإيواء من الله له تحقق فيه دون تفكير مباشر منه.

وقد يحدث بما يخالف هذا التفكير، بدليل قدر حدوث غزوة بدر بما يخالف التفكير في الاستيلاء على القافلة (وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ) [سورة الأنفال، الآية: 7] بل قد يحدث القدر بما يضاد التفكير مباشرة.

وهذا يونس عليه السلام ... يفكر في الخلاص من القوم بالسفينة، فتكون هذه السفينة بقدر الله سبب هلاك، إذ يلقي منها في البحر فيلتقمه الحوت، وهو بتفكير البشر هلاك ليكون بقدر الله سبب نجاة.

(1) مدارج السالكين ج 2 ص 498.

(2) البخاري في (لأنبياء) (411/ 6) ، ومسلم رقم (151) من حديث أبي هريرة رضى الله عنه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت