الصفحة 15 من 23

ويقول أيضا رحمه الله: (فمن قفز عنهم - أي عن جيش المسلمين - إلى التتار؛ كان أحق بالقتال من كثير من التتار، فإن التتار فيهم المكره وغير المكره، وقد استقرت السنة بأن عقوبة المرتد أعظم من عقوبة الكافر الأصلي) [30] اهـ.

وبناء على ذلك؛ فإنه لا يحل أن يلتحق مسلم باختياره بالشرطة ولا بالجيش الذين يدافعون عن أحكام الكفر، لأن هاتين الطائفتين تحميان الحاكم الكافر الذي يشرع للناس أحكاما من دون الله، ويلزمهم باتباعها، وهم القبضة الحديدية التي يضرب بها أنظمة الكفر كل من حاول تغيير هذا الكفر.

وقد أفتي شيخ الإسلام أن حكم هذه الطائفة واحد، حتى المكره فيهم يأخذ حكم غير المكره من حيث الحكم الظاهر الدنيوي، وقد بينّا أن غير المكره في الطائفة المعينة للحاكم؛ كافر إذا قامت عليه الحجة الشرعية، ومستحق للقتال كما يقاتل المرتدون، وكذلك فإن المكره يلحق حكمه بغير المكره في ظاهر الأمر، وفي أحكام الدنيا الظاهرة.

وفي ذلك قال ابن تيمية رحمه الله في كلامه عن الكفار: (وقد يقاتلون وفيهم مؤمن يكتم إيمانه يشهد القتال معهم ولا يمكنه الهجرة، وهو مكره على القتال ويبعث يوم القيامة على نيته، كما في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم:"يغزو جيش الكعبة فبينما هم ببيداء من الأرض إذ خسف بهم"، فقيل: يا رسول الله إن فيهم المكره؟ فقال صلى الله عليه وسلم:"يبعثون على نياتهم"... ) .

وهذا في ظاهر الأمر وإن قتل وحكم عليه بما يُحكم على الكفار فالله يبعثه على نيته، كما أن المنافقين يُحكم لهم في الظاهر بحكم الإسلام، ويُبعثون على نياتهم، والجزاء يوم القيامة على ما في القلوب لا على مجرد الظواهر، ولهذا روي عن العباس قال: (يا رسول الله كنت مكرها) ! قال صلى الله عليه وسلم: (أما ظاهرك فكان علينا، وأما سريرتك فإلى الله) [31] اهـ.

وذكر أيضا رحمه الله حديث الجيش الذي يغزو الكعبة فيخسف بأوله وآخره - المكره وغير المكره - وقول النبي صلى الله عليه وسلم لما سئل في ذلك، وأنه فيهم من ليس منهم؟ قال صلى الله عليه وسلم: (يخسف بأولهم وآخرهم، ثم يبعثون على نياتهم) [32] .

وقال أيضا رحمه الله: (فالله تعالى أهلك الجيش الذي أراد أن ينتهك حرماته - المكره فيهم وغير المكره - مع قدرته تعالى على التمييز بينهم، مع أنه يبعثهم على نياتهم، فكيف يجب على المؤمنين المجاهدين أن يميزوا بين المكره وغير المكره وهم لا يعلمون ذلك؟! بل لو ادعى مدع أنه خرج مكرها لم ينفعه ذلك بمجرد دعواه) .

إلى أن قال: (بل لو كان فيهم قوم صالحون من خيار الناس، ولم يمكن قتالهم إلا بقتال هؤلاء؛ لقتلوا أيضا، فإن الأئمة متفقون على أن الكفار لو تترسوا بمسلمين وخيف على المسلمين إذا لم يقاتلوا، فإنه يجوز أن نرميهم ونقصد الكفار) [33] اهـ.

ويقول أيضا رحمه الله: (وحيث وجب قتالهم قوتلوا، وإن كان فيهم المكره، باتفاق المسلمين) .

ويقول أيضا: (ونحن لا نعلم ولا نقدر على التمييز، فإذا قتلناهم بأمر الله كنا مأجورين معذورين، وكانوا هم على نياتهم) [34] .

بل قال شيخ الإسلام: (لو رأيتموني في صف التتار وعلى رأسي المصحف؛ فاقتلوني) ، وقال ذلك بسبب تردد الناس في قتال التتار لأنهم أعلنوا إسلامهم، ولكنهم لم يلتزموا بشريعة الإسلام [35] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت