4 -عن عبد الله بن عباس أن عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، خرج إلى الشام حتى إذا كان بسرغ لقيه أمراء الأجناد أبو عبيدة بن الجراح وأصحابه فأخبروه أن الوباء قد وقع بأرض الشام قال ابن عباس فقال عمر ادع لي المهاجرين الأولين فدعاهم فاستشارهم وأخبرهم أن الوباء قد وقع بالشام فاختلفوا فقال بعضهم قد خرجت لأمر، ولا نرى أن ترجع عنه وقال بعضهم معك بقية الناس وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا نرى أن تقدمهم على هذا الوباء فقال ارتفعوا عني ثم قال ادعوا لي الأنصار فدعوتهم فاستشارهم فسلكوا سبيل المهاجرين واختلفوا كاختلافهم فقال ارتفعوا عني ثم قال ادع لي من كان هاهنا من مشيخة قريش من مهاجرة الفتح فدعوتهم فلم يختلف منهم عليه رجلان فقالوا نرى أن ترجع بالناس، ولا تقدمهم على هذا الوباء فنادى عمر في الناس إني مصبح على ظهر فأصبحوا عليه قال أبو عبيدة بن الجراح أفرارا من قدر الله فقال عمر لو غيرك قالها يا أبا عبيدة نعم نفر من قدر الله إلى قدر الله أرأيت لو كان لك إبل هبطت واديا له عدوتان إحداهما خصبة والأخرى جدبة أليس إن رعيت الخصبة رعيتها بقدر الله وإن رعيت الجدبة رعيتها بقدر الله قال فجاء عبد الرحمن بن عوف، وكان متغيبا في بعض حاجته فقال إن عندي في هذا علما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارا منه قال فحمد الله عمر ثم انصرف. رواه البخاري.
قال ابن حجر تعليقا على هذا الحديث (وفيه الترجيح بالأكثر عددا والأكثر تجربة لرجوع عمر لقول مشيخة قريش مع ما انضم إليهم ممن وافق رأيهم من المهاجرين والأنصار، فإن مجموع ذلك أكثر من عدد من خالفه من كل من المهاجرين والأنصار، وَوَازَنَ ما عند الذين خالفوا ذلك من مزيد الفضل في العلم والدين ما عند المشيخة من السن والتجارب، فلما تعادلوا من هذه الحيثية رجح بالكثرة ووافق اجتهادُه النصَّ، فلذلك حمد الله تعالى على توفيقه لذلك) . فتح الباري (10/ 190) .
5 -عن المِسْوَر بن مَخْرَمة - في قصة مبايعة عثمان بن عفان بالخلافة-قال: (فلما اجتمعوا تشهد عبد الرحمن ثم قال:"أما بعد يا علي إني قد نظرت في أمر الناس فلم أرهم يعدلون بعثمان فلا تجعلن على نفسك سبيلا"، فقال أبايعك على سنة الله ورسوله والخليفتين من بعده فبايعه عبد الرحمن وبايعه الناس المهاجرون والأنصار وأمراء الأجناد والمسلمون) رواه البخاري.
وجه الدلالة في هذه القصة هو قول عبد الرحمن:"إني قد نظرت في أمر الناس فلم أرهم يعدلون بعثمان".
لأن أهل الشورى جعلوا الأمر إلى عبد الرحمن ابن عوف ليجتهد للمسلمين في أفضلهم فيوليه، فقام عبد الرحمن يسأل من يمكنه سؤاله من أهل الشورى وغيرهم ويبحث عن مرجح للتفضيل بين عثمان وعلي فاستأنس باختيار أغلب الناس ورضاهم، وفي ذالك يقول ابن كثير: (ثم نهض عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه يستشير الناس فيهما ويجمع رأي المسلمين برأي رؤس الناس وأقيادهم جميعا وأشتاتا، مثنى وفرادى، ومجتمعين، سرا وجهرا، حتى خلص إلى النساء المخدرات في حجابهن، وحتى سأل الولدان في المكاتب، وحتى سأل من يرد من الركبان والأعراب إلى المدينة ... فسعى في ذلك عبد الرحمن ثلاث أيام بلياليها لا يغتمض بكثير نوم إلا صلاة ودعاء واستخارة، وسؤالا من ذوي الرأي عنهم، فلم يجد أحدا يعدل بعثمان بن عفان رضي الله عنه،) البداية والنهاية - (7/ 164) .
وقد نبهت في موضع غير هذا إلى أن هذا الذي فعله عبد الرحمن ابن عوف من سؤال كل أحد حتى أنه خلص إلى النساء المخدرات في حجابهن والولدان في المكاتب، ليس من باب تحكيم الأغلبية وإنما هو من باب الاستئناس برأي الأغلبية.