كانت هذه الأمة أول أمة عرفت مجانية التعليم ، ومجانية العلاج ، وأوقفت على هذين الأمرين أوقافا طائلة لا تعتمد على سخاء الدولة أو تقتيرها ، أو عنايتها أو إهمالها ، بقدر ما تعتمد على دوافع الخير في النفوس ، ودوافع البذل والعطاء .
وكانت أول أمة عرفت إنشاء بيوت لرعاية العجزة ، ودور لإيواء الحيوانات الضالة لرعايتها وإطعامها !
وكانت أول أمة - أو الأمة الوحيدة - التي تفي بعهودها مع الآخرين ، وتلتزم بالمواثيق ، ولا تبرمها في وقت الحاجة لتمزقها في أول فرصة مواتية !
وكانت أول أمة - أو الأمة الوحيدة - التي لا تضطهد المخالفين لها في العقيدة ، بل ترعاهم ، وتؤمّنهم على عقائدهم وعباداتهم وكل نشاطاتهم الاقتصادية والحياتية ما داموا غير محاربين ولا مجاهرين بالعداء !
باختصار .. كانت هي الأمة المتحضرة في الأرض ..
ولكن انقلابا هائلا حدث في التاريخ !
لم يحدث بطبيعة الحال بين يوم وليلة .. فلا شيء يحدث بين يوم وليلة إلا أقدار الله الخارقة ! وحتى"الانقلابات العسكرية"التي سرت في عصر"التنوير !!"الذي نعيشه اليوم ، لا تتم بين يوم وليلة ، إنما تستغرق وقتا في التفكير ، وفي التحضير ، قبل أن يفاجأ بها الناس على ساحة الواقع ..
إنما حدث الانقلاب خلال عدة قرون ..
تدريجيا .. انحسرت مساحة"الدين"في النفوس .
لقد نزل هذا الدين ليشمل الحياة كلها من كل جوانبها ، لا ليحتل جانبا واحدا من جوانب الحياة ، أيًّا كان حجمه وأهميته الذاتية:
( قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لا شَرِيكَ لَهُ ... ) (1) .
(1) سورة الأنعام [ 162 - 163] .