ولما كانت مداهنة أهل الباطل والسكوت على منكرهم مؤذنة بالخراب والدمار كما أوضح الحديث الشريف فإن الواجب على أهل الإسلام أن يهتموا بهذا الواجب العظيم وأن لا يتقاعسوا عنه، قال الإمام النووي رحمه الله: ... (( واعلم أن هذا الباب -أعني باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر- قد ضيع أكثره من أزمان متطاولة، ولم يبق منه في هذه الأزمان إلا رسوم قليلة جدًا، وهو باب عظيم النفع به قوام الأمر وملاكه، وإذا كثر الخبث عم العقاب الصالح والطالح، وإذا لم يأخذوا على يد الظالم أوشك أن يعمهم الله تعالى بعقابه ... {فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم} ، فينبغي لطالب الآخرة والساعي في تحصيل رضا الله عز وجل أن يعتني بهذا الباب، فإن نفعه عظيم لا سيما وقد ذهب معظمه ويخلص نيته ولا يهادن من ينكر عليه لارتفاع مرتبته فإن الله تعالى يقول {ولينصرن الله من ينصره} ... ) ) [1] .
وإذا تأمل العاقل أحوال المسلمين في هذه العصور المتأخرة وجد فيها مصداق ما أخبر به الرسول -، فإنه ما أصاب المسلمين ما نراه من ضعف ومهانة وتفرق إلا بنبذهم لأحكام دينهم وعلى رأسها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فقد تُرك هذا الواجب العظيم في معظم ديار المسلمين، وصار من يحاول القيام بهذا الواجب مذمومًا عند من لهم الكلمة والمكانة، يصمونه بالتطرف تارة، وبالإرهاب تارة، وبالتخلف والرجعية تارة، وبأنه يحاول الاعتداء على الحرية الشخصية للآخرين تارة، هذا ناهيك عما يلقاه أولئك الآمرون الناهون من صنوف الأذى والابتلاء، حتى صرنا في أشد مما ذكره ابن النحاس متحدثًا عن عصره حيث قال: (( ... وصار إنكار المنكر زلة لا يثبت عليها إلا أرجل الرجال، فمن أنكر قيل: ما أكثر فضوله، ومن داهن قيل: ما أحسن في العشرة معقوله، فعمت الخطوب العظائم إذ لم يبق من لا تأخذه في الله لومة لائم ) ) [2] .
ومع ذلك فإنه لابد لأهل الحق القابضين على الجمر من القيام بأمر الله وإن لقوا في ذلك ما لقوا، والمسلم إن علم أنه سيؤذي من جراء إنكاره المنكر فقد سقط وجوب الإنكار عنه، لكن يبقي في حقه استحباب الإنكار نصرة للدين وإظهارًا لشعائره.
ولقد قال لقمان لابنه وهو يعظه: {يا بني أقم الصلاة وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور} . (لقمان:17)
فإنه لما علم أن الآمر بالمعروف الناهي عن المنكر لابد أن يصيبه الأذى قال: {واصبر على ما أصابك} .
وقال تعالى: {إن الذين يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس فبشرهم بعذاب أليم} . (آل عمران:21) ، قال القاضي أبو بكر بن العربي عند حديثه عن هذه الآية: (( قال بعض علمائنا: هذه الآية دليل على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإن أدى إلى قتل الآمر به ... فإن خاف على نفسه من تغييره الضرب أو القتل، فإن رجا زواله جاز عند أكثر العلماء الاقتحام عند هذا الغرر، وإن لم يرج زواله فأي فائدة فيه؟ والذي عندي أن النية إذا خلصت فليقتحم كيفما كان ولا يبالي ) ) [3] .
وقد ترحم الإمام أحمد على محمد بن مروان الذي صُلب في الأمر بالمعروف وقال: (( قد قضى ما عليه ) ) [4] .
(1) شرح مسلم (1/ 301) .
(2) المجموعة المحمودية (ص:55) .
(3) أحكام القرآن (1/ 266 - 267) .
(4) الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر للخلال ص: 23.