الصفحة 14 من 92

مسلك النظر و التَّجديد:

والذين سلكوا مسلك النظر من العلماء إنما خرجوا بما يُمليه الرُّجوع إلى الحق ويقتضيه العملُ بمنهاج الأسلاف الأماجد، وليس ذلك طعنا في المذاهب أو التوجهات، وإنما هو عيْنُ التَّمذهب الصحيح، وأحسن محنض باب ولد اعبيد الدَّيْماني حين قال:

وضَحَ الحقُّ يا لبيبُ فسلِّمْ ... إنَّ ترْكَ المِراءِ فيه سَلامَهْ ...

ليس مَنْ أخْطأَ الصَّوابَ بِمُخْطٍ ... إنْ يَؤُبْ لاَ وَلاَ عليه ملامَهْ ...

حسناتُ الرُّجوع تُذهِبُ عَنْهُ ... سيِّئاتِ الخَطَا وتَنَْفِي الملامَهْ ...

إنَّما المُخْطِئ ُ المُسِي مَنْ إذا ما ... وضَحَ الحقُّ لَجَّ يَحْمِي كلامَهْ

فقد خالف ابنُ القاسم مالكًا رحمه الله في كثير من مسائل النظر و الاجتهاد، من ذلك قولُ خليل في باب الحجر من مُخْتَصَرِه:"وتصرُّفه -يعني السَّفيه - قبل الحَجْرِ عليه محمولٌ على الإجازة عند مالك لا ابن القاسم" [1] .

وفي حاشية الحطَّاب على المختصر أنَّ ابْنَ القاسم كان يستنكر قول مالك هذا ويقول:"هذا القولُ ليس بشيء" [2] .

وقد ذكر أبو عمر بنُ عبد البر حكمَ التَّقليد والفرقَ بينه وبين الإتِّباع و الاجتهاد في جامع بيان"العلم و فضله"، والحق في قول الأصوليين وجود الواسطة بين المجتهد والمقلِّد، والعُلماء يَذُمُّون التَّقليد ويَمنعُونه، ويَدْعون للاتباع، وقد جمع ابنُ دقيق العيد كتابا فيه ما خالف فيه الإمام مالكا، أما اللَّخمي فقد صار مضرِبَ المثل في مخالفة المذهب حتى قال ابن غازي:

لقد مزقت قلبي سهام جفونها ... كما مزق اللَّخْمِيُّ مذهبَ مالك

وقال النابغة الغلاَّوي في"بُو طْلَيْحِيَّه"

واعتمدوا تبصرةَ اللخميِّ ... ولم تكن لجاهل أمِّيّ

(1) مختصر خليل ص205.

(2) حاشية الحطاب 4/ 39.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت