الصفحة 52 من 200

والنكبة الثانية العظيمة التي قد جرّها على التمدن الفرنسي، طغيان الشهوة المطلقة ورواج الإباحية وقبولها: هي خراب النظام العائلي، وتقوّض بنيانه. إن النظام العائلي -كما هو معلوم- يتألّف مما يعقد بين الرجل والمرأة من الرابطة الأبدية التي يُعبّر عنها بالنكاح فهذه الرابطة فيما بينهما تسود حياة الأفراد السكينة والدوام والاستحكام، وهي التي تُحوّل (فرديتهم) إلى الجماعية. وتُذلّل ما فيهم من نوازع الفوضى والشتات وتخضعه للتمدن. وفي دائرة هذه النظام ينبعث ذلك الجو المطهّر من المودة والأمن والإيثار، الذي يتهيأ الأجيال الناشئة فيه أن يدرجوا على الأخلاق الزكية والتربية الصحيحة والتنشئة الصالحة ولكن مجتمعًا كان الرجال والنساء فيه فارغي الأذهان من تصور النكاح ومقاصده، ولم يكن للعلاقة الجنسية بين الصنفين عندهم من غاية سوى قضاء بعض الشهوات الحيوانية، ثم كان في ذلك المجتمع أرْسال من الذوّاقين والذوّاقات يهيمون كالفراش بكل زهرة من أزهار الروض يستنشقون عبيرها ويمتصّون رحيقها، فلا يمكن أن يقوم فيه هذا النظام العائلي. وإن قام، فلا يمكن أن يستقر: ذلك بأن رجاله ونساءه لا يعودون يصلحون للاضطلاع بأعباء الزواج وتبعاته، وحقوقه وواجباته والتزاماته الخلقية، ويكون من تأثير هذه الحالة العقلية والخلقية فيهم أن ينشأ كل جيل لاحق على خلق أسوأ مما كان عليه الجيل السابق. ويبلغ من أثرة الأفراد وأنانيتهم ما يشتّت شمل المجتمع، ومن نزق النفوس وتلوّنها ما يجعل سياستهم الوطنية وسلوكهم الدولي كريشة في مهبّ الرياح، لا تدوم على موقف. ويتكدّر عيش الأفراد بخلو بيوتهم من الهدوء والسكون. ويُلحّ عليهم قلق نفسي دائم يحرمهم فراغ الخاطر وهدوء الذهن، وكل هذا عذاب من جحيم الدنيا، يُلقي الإنسان فيه بنفسه لغرامه، بل لهيامه المتطرّف بالمتع واللذات.

سبعة أو ثمانية في الألف هو معدل الرجال والنساء الذين يتزوّجون في فرنسا اليوم. ولك أن تقدّر من هذا المعدل المنخفض كثرة النفوس التي لا تتزوّج من أهاليها. ثم هذا النزر القليل من الذين يعقدون الزواج قلّ فيهم من ينوون التحصن والتزام المعيشة البرّة الصالحة، بل هم يقصدون به كل غرض سوى هذا الغرض. حتى إنه كثيرًا ما يكون من مقاصد زواجهم، أن يُحلّلوا به الولد النغل الذي قد ولدته المرأة قبل النكاح، يتّخذوه لهم ولدًا شرعيًا. فقد كتب بول بيورو:"من العادة الجارية في طبقة العاملين في فرنسا أن المرأة منهم تأخذ من خدنها ميثاقًا، قبل أن يعقد بينهما النكاح، أن الرجل سيتّخذ ولدها الذي ولدته قبل النكاح ولدًا شرعيًا له. وجاءت امرأة في محكمة الحقوق بمدينة سين ( Siene) فصرحت:"إني كنت آذنت بعلي عند النكاح بأني لا أقصد بالزواج إلا استحلال الأولاد الذين ولدتهم نتيجة اتصالي به قبل النكاح. وأما أن أعاشره وأعيش معه كزوجة، فما كان في نيتي عند ذاك، ولا هو في نيتي الآن. ولذلك اعتزلت زوجي في أصيل اليوم الذي تم فيه زواجنا، ولم ألتق به إلى هذا اليوم، لأني كنت لا أنوي قط أن أعاشره معاشرة زوجية" (الصفحة 55) ."

قال عميد كلية شهيرة في باريس لبول بيورو:"إن عامة الشباب يريدون بعقد النكاح استخدام بغيّ في بيتهم أيضًا. ذلك أنهم يظلّون مدة عشر سنين أو أكثر يهيمون في أودية الفجور أحرارًا طلقاء، ثم يأتي عليهم حين من دهرهم يملّون تلك الحياة الشريدة المتقلقلة، فيتزوّجون بامرأة بعينها، حتى يجمعوا بين هدوء البيت وسكينته، ولذة المخادنة الحرة خارج البيت" (الصفحة 56) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت