وما وقف الأمر عند هذا الحد. بل جاء النظام الرأسمالي الذي رُفعت قواعده على هذا التصور للحرية الشخصية، فمنح الفرد حقًا مطلقًا من كل قيد أو شرط، في اكتساب الثروة بكل ما أمكنه من الطرق. وتبعته فلسفة الأخلاق، فأباحت له كل وسيلة يمكن أن تُتَّخذ لجمع الأموال، وإن كان إثراء الفرد الواحد بتلك الوسائل والطرق مهلكة أفراد كثيرين. وبذلك تألّف نظام التمدن من أوله إلى آخره على صورة تؤثر الفرد على الجماعة من كل وجهة، وليس فيها ضمان للمحافظة على مصالح الجماعة بإزاء أثرة الفرد. فانفتحت السُبُل على إخوان الطمع والأثرة ليغيروا ويعتدوا على المجتمع كيف يشاؤون. فعمد هؤلاء إلى الغرائز الإنسانية يتجسّسون فيها مواطن الضعف والخلل، وراحوا يتفنّنون في استغلالها لأغراضهم. فقام واحدهم، وروّج في الناس سيئة الخمر جلبًا للثروة إلى جيبه، ولم ينهض منهم من ينقذ المجتمع من غوائل هذا الطاعون. وقام آخر، وابتلى خلق الله بآفة الربا ونصب شبكته في القاصية والدانية، وما هنالك من يدفع عن دماء حياة الناس ضر هذا العلق، بل حافظت القوانين على مصلحة هذه الدويبة الفتاكة كي لا يسلم منها أحد بقطرة من دمه. وجاء ثالث. وأشاع في المجتمع طرقًا مبتكرة للقمار، حتى لم تسلم شعبة من شعب التجارة من عنصره، وما ثمة من يتقدم لحفظ الحياة الاقتصادية من هذه الحمى المحرقة. وما كان من الممكن في هذا العصر من الأنانية والبغي والعدوان الفردي، أن يعزُبَ عن إخوان الأثرة والطمع ذلك الضعف الإنساني الأكبر، الشهوة الجامحة التي يمكنهم باستثارتها جلب كثير من المنافع. فلم يفتهم ذلك فعلا. بل استخدموا غريزة الشهوة العارمة في الإنسان ما وسعهم وما أمكنهم. إذ أصبح مدار العمل والعناية كله في المراقص والمسارح ومراكز إخراج الأفلام على أن تُستخدم لها الغيد الحسان، ويُعرضن على المنصّة في صورة أكمل من التبرّج، وفي هيئة أقرب إلى العري، ويُجلب الذهب من جيوب الرجال بأكثر ما يمكن من إضرام نار الشهوة فيهم. وجاء قوم، فمهدوا الأسباب لإكراه النساء، وتقدموا بحرفة البغاء إلى أن أصبحت تجارة دولية منظمة. وجاء آخرون، فتفنّنوا في صنع أدوات الزينة والزخرفة، ثم عمموها في المجتمع، ليزيدوا من غريزة التبرج التي جُبلت عليها المرأة، إلى أن يجعلوها فيهن هوسًا، ويجمعوا بذلك الذهب والفضة ملء أكفهم. وجاءت فئة أخرى، فاخترعوا لملابس النساء أزياء كاشفة مغرية، واستخدموا كل فاتنة الجمال، لتلبسها وتغشى بها النوادي والحفلات حتى يُقبل عليها الشباب ويفتنوا بها، فتُغرم الفتيات بتلك الأزياء الجديدة من اللباس، وتربح تجارة مخترعيها. وتذرّع آخرون بإشاعة الصور العارية والقصص الغرامية والمقالات الخليعة، إلى استدرار الأموال، وأخذوا كذلك يملؤون جيوبهم بإصابة العامة بالجازم الخلقي، حتى انتهت الحال، على مضي الأيام، إلا أن لم تبق ناحية من نواحي التجارة خالصة من عنصر الإغراء. وها أنت ذا صرت لا ترى في زمانك هذا إعلانًا من الإعلانات التجارية في الجرائد والمجلات، إلا وسيمته الملازمة البارزة صورة امرأة عارية أو في حكم العارية. كأنه لم يعد من الممكن أن يكون إعلان ما وافيًا بالغرض بدون وجود المرأة. ولا تجد كذلك فندقًا من الفنادق ولا مقهى، ولا صالة عرض، إلا وقد استُخدمت فيها المرأة لتعمل عملها المغناطيسي في الرجال. وكان المجتمع المسكين المخذول لا يملك -حيال ذلك كله- إلا وسيلة واحدة للمحافظة على مصالحه، وهي أن يستعين بتصوّراته الخلقية على دفع تلك الغارات عن نفسه، ويتحفظ من استيلاء غريزة الشهوة عليه. ولكن النظام الرأسمالي لم يكن من الضعف والهوان بحيث يمكن ردّ حملته بسهولة.