الصفحة 191 من 200

أما وقد علمت مواضع الشدة في أحكام الحجاب، فالتفت الآن إلى مواقع اللين والتسامح فيها، وتبين الضرورات التي قد سامح الإسلام في تلك الأحكام لأجلها.

يبتلى المسلمون بالحرب، فتعظم الشدة ويعم البلاء. وتقتضي الأحوال أن توفر قوة الأمة كلها للدفاع. ففي هذه الحال يبيح الإسلام لنساء الأمة أن يشاركن الرجال في خدمات الحرب. ولكنه يلاحظ -مع ذلك- أن التي قد خلقها الله لأن تكون أمًا رؤومًا، لم تخلق -ولا شك- لضرب الأعناق وإهراق الدماء. فتسليحها بالرمح والسيف مسخ لفطرتها وطبيعتها. لذلك بينما يسمح لهن الإسلام أن يستعملن السلاح دفاعًا عن أنفسهن وأعراضهن، لا يرضى أبدًا استخدامهن للقتال وتطوعهن في الجندية. وإنما يريد أن يستخدمهن في الحرب لخدمات الإسعاف. كسقي المجاهدين، وطبخ الطعام، ومداواة المرضى، وحفظ الرحال. ولأجل هذه الخدمات قد خفف جدًا من حدود الحجاب وأجاز للنساء أن يلبسن لأجل القيام بها لباسًا، تلبسه اليوم الراهبات النصرانيات، بقليل من التعديل.

وتتفق الأحاديث على أن أزواج النبي ونساء المسلمين كن يصحبن النبي صلى الله عليه وسلم إلى ميدان القتال، فيسقين المجاهدين ويداوين الجرحى. وبقي العمل عليه جاريًا بعد نزول الحجاب أيضًا [1] . وقد أخرج الترمذي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يغزو بأم سليم ونسوة معها من الأنصار، يسقين الماء ويداوين الجرحى [2] . وفي البخاري أن امرأة قالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله! ادع الله أن يجعلني ممن يركبون البحر الأخضر في سبيل الله. فقال: اللهم اجعلها منهم [3] . وعن أنس رضي الله عنه، قال: لما كان يوم أحد انهزم الناس عن النبي صلى الله عليه وسلم. قال: ولقد رأيت عائشة بنت أبي بكر وأم سليم، وإنهما لمشمرتان أرى خدم سوقهما، تنقلان القرب على متونهما، ثم تفرغانه في أفواه القوم، ثم ترجعان ... [4] . وامرأة أخرى أم سليط قد روى فيها عمر بن الخطاب عن النبي صلى الله عليه وسلم نفسه، قال:"ما التفت يمينًا ولا شمالًا يوم أحد إلا رأيت أم سليط تقاتل دوني". وفي هذه الغزوة كانت الربيع بنت معوذ وجماعة من النساء تسقي الجرحى وترد القتلى إلى المدينة [5] . وفي غزوة حنين رُئيت أم سليم ومعها خنجر، فسألها النبي صلى الله عليه وسلم: ما هذا الخنجر؟ قالت: اتخذته، إن دنا مني أحد المشركين، بقرتُ به بطنه [6] . وغزت أم عطية مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سبع غزوات. وكانت تخلفهم في رحالهم، وتصنع لهم الطعام وتداوي الجرحى وتقوم على المرضى [7] . وكتب ابن عباس رضي الله عنه إلى نجدة: قد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم: يغزو بالنساء فيداوين الجرحى، ويُحذَين من الغنيمة. وأما بسهم فلم يضرب لهن [8] .

(1) البخاري -باب حمل الرجل والمرأة في الغزو.

(2) الترمذي -باب ما جاء في خروج النساء في الغزو.

(3) البخاري -باب غزو المرأة في البحر.

(4) البخاري -باب غزو النساء وقتالهن مع الرجال. ومسلم -باب النساء الغازيات يرضخ لهن.

(5) البخاري -باب مداواة النساء الجرحى في الغزو.

(6) مسلم -باب غزوة النساء مع الرجال.

(7) ابن ماجه -باب العبيد والنساء يشهدون مع المسلمين.

(8) مسلم -باب النساء الغازيات يرضخ لهن.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت