في أواخر القرن الثامن عشر ومطلع القرن التاسع عشر فوجئت الممالك الإسلامية بطوفان من الاستعمار الغربي. وبينا المسلمون في هجود الكرى، لم يستيقظوا بعد كل اليقظة، جعل هذا السيل يمتد من قطر إلى قطر، حتى شرّق العالم الإسلامي وغرب، وما أن انتصف القرن التاسع عشر حتى غدم معظم الأمم المسلمة عبيدًا للغرب الأوربي وخولًا له. والتي لم تدخل منها في عبوديته، لم تسلم من الخضوع لسلطانه ورهبة بأسه ونجدته. ولما بلغ هذا الانقلاب تمامه، بدأت في المسلمين آثار اليقظة والحركة، فلما فتحوا أعينهم على الحال التي قد صاروا إليها، فشلت ريحهم وزال عنهم بغتة ذلك الفخار القومي الذي طالما تأصّل فيهم لبقائهم في عز الغلبة ومجد السيادة من قرون متوالية. فعادوا يفكرون في أنفسهم، كالسكران يُصحيه توالي الضربات من عدو شديد، ويبحثون عن الأسباب التي هبطت بهم وغلّبت الافرنج عليهم، غير أن عقولهم لم تكن نابت بعد إلى رشدها، إذ كان السكر لا ريب قد ذهب عنهم ولكن ميزان الفكر كان بعدُ مختلًا فيهم. فبجانب، كان يلحّ بهم شعور بالذلة والهوان، ويؤزّهم أزًا على تبديل ما هم فيه من الحالة، وبجانب آخر يغلبهم من حب الراحة وإيثار الدعة والارتخاء ما يحملهم على توخي أقرب الطرق وأسهلها لتبديل تلك الحالة. وقد خارت فيهم من جهة ثالثة قوى الفكر والعقل وصدِئت ملكات الفهم والذكاء، بطول تعطلها عن العمل. زد على ذلك كله ما أخذ بمجامع نفوسهم من الدهشة والروعة التي تعتري بالطبع كل أمة منهزمة مستعبدة. وتفاعلت هذه الأسباب في محبي الإصلاح من المسلمين وأوقعتهم في كثير من الضلالات العقلية والعملية. فأكثرهم ما كادوا يفطنون للأسباب الحقيقية في ارتقاء أوربة وانحطاطهم. وأما الذين فهموها منهم وأدركوها، فأعوَزهم من بُعْد الهمة والعزيمة والروح المجاهدة يتشجعون به على اختيار الطرق الوعرة للرقي والتقدم، وكان من وراء ذلك كله الروعة والدهشة التي تشترك فيها كلتا الطائفتين على السواء. فلما مضوا بهذه العقلية المريضة الزائفة يريدون الإصلاح لم يروا أضمن للرقي ولا أدنى للوصول إليه من أن يحاكوا في حياتهم اليومية كل مظاهر التمدن والحضارة الغربية، فيعودوا كالمرآة الصافية يرى فيها خيال الروضة والأزهار والرياحين، وليس فيها من حقيقة هذه المناظر شيء.