وكذلك فإن محمدًا صلى الله عليه وسلم هو المصلح الأول -وفي الحقيقة المصلح الآخر- الذي بدل من عقلية الرجل، بل من عقلية المرأة نفسها، بالنسبة للمرأة. وبعث فيهم مكان عقليتهم الجاهلية عقلية معتدلة صحيحة، لا تصدر عن العواطف، بل تقوم على العلم والعقل المحض. ثم إنه صلى الله عليه وسلم لم يكتف بالإصلاح الداخلي بل مهد الأسباب للمحافظة على حقوق المرأة، ومنع عدوان الرجال عليهن بقوة القانون. وأحدث فيهن من الوعي ما يعرفن به حقوقهن الشرعية ويستعن بالقانون على الحفاظ عليها.
وفي ذات النبي صلى الله عليه وسلم كانت النساء قد وجدن لأنفسهن نصيرًا مشفقًا وملجأ كن يشكين إليه أدنى اعتداء الرجال عليهن بلا حرج. وكان أزواجهن يحذرون أن يبدر منهم إليهن ما يشكينه إلى النبي، وقد روى عن ابن عمر رضي الله عنه قال:"كنا نتقي الكلام والانبساط إلى نسائنا على عهد النبي صلى الله عليه وسلم هيبة أن ينزل فينا شيء. فلما توفي النبي صلى الله عليه وسلم تكلمنا وانبسطنا" [1] .
وقد ورد في سنن ابن ماجة أن كان النبي صلى الله عليه وسلم قد أمر أن لا تضربوا إماء الله. فجاء عمر إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال: يا رسول الله: قد ذئرت النساء على أزواجهن. فرخص النبي في ضربهن وكان الرجال طالما كظموا الغيظ في أنفسهم، فضربت ذلك اليوم سبعون امرأة في بيوتهن. فلما كان الغد ازدحمت النساء على باب النبي صلى الله عليه وسلم، فدعا الناس فخطب:"لقد طاف الليلة بآل محمد سبعون امرأة، كل امرأة تشتكي زوجها، فلا تجدون أولئك خياركم" [2] .
هذا الإصلاح الخلقي والقانوني هو الذي نالت المرأة بفضله في المجتمع الإسلامي مكانة سامية يخلو من نظيرها كل مجتمع آخر في هذا العالم. فالمرأة المسلمة ميسور لها أن تسمو في النواحي المادية والعقلية والروحية إلى أعلى مدارج العز والرقي، التي يستطيع أن يبلغها الرجل، في الدين والدنيا. وليس كونها امرأة ليحول بينها وبين تبوئها أي مرتبة من مراتب الشرف. وإن الدنيا تتخلف وراء الإسلام في هذا الأمر، حتى في هذا القرن العشرين. ولم يرتق الفكر الإنساني بعد إلى ما ارتقى إليه الإسلام، فكل ما قد أعطاه الغرب للمرأة لم يعطه إياه من حيث هي امرأة، بل كل ذلك بعد أن جردها من الطبع الأنثوي، وصيرها رجلًا أو شبه رجل. أما المرأة بذاتها، فلا تزال في عينه خلقًا مهينًا في الحقيقة، شأنها في عصور الجاهلية الأولى. فليس لربة البيت وزوجة الرجل وأم الأولاد وبكلمة أخرى ليس للمرأة الباقية على طبيعتها وحقيقتها من عز أو شرف عنده حتى في هذا الزمان. وإنما الشرف والكرامة كلها لذلك (الرجل) المؤنث الذي يكون في بنية جسده امرأة وفي وضعية عقله وفكره رجلًا، ويعمل للتمدن والاجتماع عمل الرجال. فبديهي أنه ليس ذلك منهم تكريمًا للأنوثة، بل هو تكريم للرجولة. ومن البرهان الواضح على شعور المرأة النفسي في الغرب بنقصها وتخلفها ( Inferiority Complex) أنها تلبس لباس الرجال بكل فخر على حين لا يخطر ببال أحد من الرجال أن يخرج من بيته في لباس المرأة. ومن السبة والعار عند ملايين النساء أن تكون إحداهن زوجة، بينما لا يخجل رجل من كونه زوجًا، وأن النساء يعتزون بممارسة أعمال الرجال، ولا يعتز أحد من الرجال بأعمال نسوية خالصة كتدبير المنزل وتربية الأطفال. لذلك من الحق الذي لا يمكن أن يُردّ أو يكابر فيه أن الغرب لم يكرم المرأة من حيث هي امرأة.
(1) البخاري: باب الوصاة بالنساء.
(2) أبو داود وابن ماجه والدارمي.