والسبب في هذا التقصير هو الذي قد أشرنا إليه في أول الكتاب. وذلك أن من الضعف الطبيعي في الإنسان أنه إذا نظر في مسألة من المسائل، فلا يستطيع أن يشمل بنظره جميع نواحيها جملة واحدة. بل تستهويه أبدأً ناحية منها أكثر من غيرها، وتجذبه إلى نفسها دون سواها. فإذا هو مال إلى جانب، عمي عليه ما عداه من الجوانب، أو أغفلها عن عمد. وهذا الضعف الإنساني باد حتى في شؤون حياته الجزئية والفردية، فكيف يمكن أن تنجو من أثره مسائل التمدن والحضارة الواسعة العميقة، التي كل واحدة منها ذات نواح متعددة، ظاهرة وخفية. ولا ريب أن الإنسان قد شُرّف بمواهب العقل والعلم، ولكن الحق أنه لا يهديه مجرد التعقل، في عامة شؤون حياته، بل تميل به عواطفه ونزعاته إلى جانب بعينه. فإذا مال إليه وآثره على غيره يعمد إلى العقل يستدل به، وإلى العلم يستعينه. وهنالك إن أراه علمه هو جوانب المسألة الأخرى، ونبّهه عقله هو على ميلانه إلى شقّ دون آخر، لم يُذعن بخطئه ولم يُعنَ بتصحيحه. بل عاد يكره العلم والعقل على أن يزوّداه بالحجج والتأويلات لتبرير نزعته تلك.