ومن هذا البيان يستطيع أن يفهم كل ذي عقل سليم، أن الرجل والمرأة، وإن فرض أنهما متكافئان في القوة الجسدية والاستعداد الذهني، فلم تحمل الفطرة عليهما مع ذلك، واجبات متساوية. وذلك أن الرجل لم يُجعل عليه من خدمة بقاء النوع غير أن يلقي بذره في الحرث، ثم يروح لسبيله حتى يعمل فيما يشاء من شعب الحياة. والمرأة -بخلاف ذلك- قد حُملت معظم أعباء تلك الخدمة. وللنهوض بهذه الأعباء هي تعد مذ تكون مضغة لحم في بطن أمها، ولهذا الغرض يقوّم هيكلها الجسدي، ولهذا -لا غير- تنتابها مدة شبابها وكهولتها نوبات الحيض، التي لا تدعها أهلًا للقيام بتبعة جسيمة أو بجهد عقلي أو بدني لثلاثة أيام أو سبعة عشر من كل شهر. ولهذا الغرض نفسه تعاني المسكينة متاعب الحمل وما بعد الحمل طول سنة كاملة تظلّ خلالها معلقة بين الصحة والمرض، ثم لهذا كله تمرّ عليها سنتان من الرضاعة، تسقي فيهما الزرع الإنساني بدمها وتُرويه من ينابيع ثدييها. وتقضي بعد ذلك أعوامًا ذوات عدد، في التربية الابتدائية لولدها، تحرم نفسها في أثنائها نومة الليل وراحة النهار، وتُؤثر الجيل الآتي على راحتها ومتعتها وبهجتها ورغباتها وعلى كل ما يعز عليها. فإذا كان الواقع على ما وصفنا، فانظر ماذا يقتضيه الإنصاف في أمر المرأة؟ هل من الإنصاف إليها أن تُطالب بالقيام بتلك الواجبات الفطرية التي لا يشاركها فيها الرجل بطبعه، ثم يحمل عليها فوق ذلك مثل ما يحمل على الرجل من واجبات التمدن، التي قد أعفي هذا لأجل القيام بها عن جميع واجبات الفطرة؟ فيُفرض عليها أن تتحمل كل تلك المصائب التي تتجشّمها الفطرة، ثم تخرج من البيت كالرجال لتعاني مشقّة الكسب، وتكون معهم على قدم المساواة في القيام بأعمال السياسة والقضاء والصناعات والمهن والتجارة والزراعة وإقامة الأمن والدفاع عن حوزة الوطن. وليس هذا فحسب، بل يكون عليها بعد ذلك أن تغشى المحافل والنوادي، فتُمتّع الرجال ببراعة جمالها وأنوثتها وتهيئ لهم أسباب الخلاعة والمجون واللذة والمتعة! أما والله إنه ليس من الإنصاف، بل هو عين الظلم والعدوان وليس بمساواة بين الصنفين، بل هو عبث صريح بالمساواة. وإنما الذي يقتضيه الإنصاف، هو أن الصنف الذي قد كلفته الفطرة أعباء جسامًا، لا يكلف من أعمال التمدن إلا ما هو خفيف المحمل، وأن الذي لم تكلفه الفطرة بشيء عظيم، يحمل عليه من واجبات التمدن ما هو أهم وأثقل وأدعى للجهد والتعب، ويكون أيضًا قوّامًا على الأسرة يرعاها ويربيها.