مع كونهم يصومون ويصلون ولم يكونوا يقاتلون جماعة المسلمين، فكيف بمن صار مع أعداء الله ورسوله قاتلا للمسلمين؟ [[1] . فهذا كلام ابن تيمية بخلاف مانسبوه إليه، فالعجب من أنهم في ص 47 من كتابهم قالوا إن ابن تيمية لايكفر مانعي الزكاة، ثم في ص 61 نقلوا قوله في تكفيرهم وأنه إجماع الصحابة.
فاعلم أن تكفير مانعي الزكاة هو إجماع الصحابة [2] ، وقد نقلت هذه الأقوال في التتنبيه الهام المذكور عقب التعليق على قول الطحاوي]ولايخرج العبد من الإيمان ... [وسُئل الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ: قتال مانعي الزكاة هل هو ردّة؟ فأجاب] الصحيح أنه ردّة لأن الصدّيق لم يفرق بينهم ولا الصحابة ولا من بعدهم [[3] .
وبهذا تعلم أن قول الخطابي رحمه الله في مانعي الزكاة الذي نقلوه في كتابهم (القول القاطع) ، مُقِرِّين به، هو خطأ مخالف لإجماع الصحابة، وأن القول بأن مانعي الزكاة بغاة لإقرارهم بوجوبها أنما هو جارٍ على أصول المرجئة الذين دخلت شبههم على كثير من الفقهاء كما قال ابن تيمية. وخلاف المتأخرين في تكفير مانعي الزكاة - بعد إجماع الصحابة عليه - لااعتبار له، وهو كاختلافهم في تكفير تارك الصلاة بعد إجماع الصحابة على تكفيره، وهؤلاء المتأخرون وصفهم ابن تيمية بقوله]وأما المتأخرون الذين لم يتحروا متابعتهم وسلوك سبيلهم، ولا لهم خبرة بأقوالهم وأفعالهم، بل هم في كثير مما يتكلمون به في العلم ويعملون به، لايعرفون طريق الصحابة والتابعين في ذلك - إلى أن قال - كما تجد كتب أهل الكلام مشحونة بذلك، يحكون إجماعًا ونزاعًا ولايعرفون ماقال السلف في ذلك البته، بل قد يكون قول السلف خارجًا عن أقوالهم - إلى أن قال - لأن كثيرًا من أصول المتأخرين مُحدَثٌُ مبتدع في الإسلام مسبوق بإجماع السلف على خلافه، والنزاع الحادث بعد إجماع السلف خطأ قطعًا [[4]
وقال أبو حامد الغزالي رحمه الله - فيما يجب على طالب العلم -]ومنها أن يكون شديد التّوقي من محدثات الأمور وإن اتفق عليها الجمهور، فلا يغرّنه إطباق الخلق على ماأُحدث بعد الصحابة رضي الله عنهم، وليكن حريصًا على التفتيش عن أحوال الصحابة وسيرتهم وأعمالهم - إلى أن قال - واعلم تحقيقا أن أعلم أهل الزمان وأقربهم إلى الحق أشبههم بالصحابة وأعرفهم بطريق السلف، فمنهم أُخِذَ الدين - إلى قوله - فلا ينبغي أن يكترث بمخالفة أهل العصر في موافقة أهل عصر رسول اللهعليه الصلاة والسلام [[5] .
وأنا أنصح كل مسلم عامة وكل مهتم بالعلم الشرعي خاصة أن يتحرى أقوال السلف من الصحابة والتابعين ماوجد إلى هذا سبيلا قبل أن ينظر في أقوال المتأخرين كقول الخطابي هذا الذي لايَعرف كثيرٌُ من المعاصرين غيره في مسألة مانعي الزكاة. وبالله التوفيق.
(1) (مجموع الفتاوى) 28/ 531
(2) كما قال ابن تيمية، وقد نقل هذا الإجماع أيضا: أبو بكر الجصّاص الحنفي في (أحكام القرآن) في تفسير قوله تعالى (فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ) النساء: 65، ونقله القاضي أبو يعلى الحنبلي في كتابه (مسائل الإيمان) ص 330 - 332، ط دار العاصمة 1410 هـ، وهو قول علماء الدعوة النجدية، انظر (الدرر السنية في الأجوبة النجدية) 8/ 131
(3) (فتاوى ورسائل الشيخ محمد بن إبراهيم) جمع عبدالرحمن بن قاسم ج 6 ص 202
(4) (مجموع الفتاوى) 13/ 25 - 26
(5) (إحياء علوم الدين) 1/ 95