فهرس الكتاب

الصفحة 15 من 31

إن تعامل المسلمين مع بعضهم البعض أمر لازم في سياق الحياة الاجتماعية اليومية، وهو مظنة كثير من الانحرافات والأخطاء والتعديات التي نراها تكاد تفتك بالمجتمع وتفرط عقد الجماعة وتطعن في مصداقية الأخوة الإيمانية مع الأسف. ولقد اهتمت هذه السورة بتصحيح جملة من المفاهيم والتنفير من مجموعة من السلوكيات الخلقية المنحرفة الشائعة، لترتفع بأفراد المجتمع فوق فوضى انعدام الأخلاق إلى أفق وسمو المجتمع الإنساني المسلم بحق. وإن المتدبر في هذه السورة العظيمة يجد عرضًا موجزًا في آيتين اثنتين لا أبالغ إذا قلت إن فيهما ما يكفي لضبط أي مجتمع بضابطٍ من الأخلاق ينأى به عن أي خلل مؤثر في سير المجتمع وعلاقة أفراده ببعضهم البعض، وما الإعجاز إن لم يكن هذا؟ تأمل هذه الكلمات الموجزة المعجزة:

"يأيها الذين آمنوا لا يسخر قومٌ من قوم عسى أن يكونوا خيرًا منهم ولا نساءٌ من نساء عسى أن يكن خيرًا منهن ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون. يأيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرًا من الظن إن بعض الظن إثم ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضًا أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتًا فكرهتموه واتقوا الله إن الله تواب رحيم" [1]

فقد أجملت هذه الآيات ست قبائح خلقية اجتماعية لا يتصور قيام مجتمع راقٍ خلوقٍ يرضى باستقرار لوثةٍ من لوثاتها فيه، وهذه القبائح الست هي: السخرية واللمز والتنابز بالألقاب واتهام المؤمنين بالظنون الضعيفة والتجسس على المؤمنين والغيبة للمؤمنين المتقين. وقبل استعراض هذه القبائح منفردةً أشير إلى لطيفةٍ تتمثل في الألوان التعبيرية التي جاء النهي بها عن كلٍ من هذه القبائح، يقول عبد الرحمن حبنكة الميداني في كتابه قواعد التدبر الأمثل لكتاب الله:"ويلاحظ في هذا النص أن كل نهيٍ فيه قد انفرد بلون تعبيري ذي دلالة خاصة قابلة لأن تكون شاملة للمنهيات الأخرى؛ ففي السخرية:"لا يسخر قوم من قوم"وفي اللمز"ولا تلمزوا أنفسكم"، وفي التنابز"ولا تنابزوا بالألقاب"، وفي الظن المنهي عنه"اجتنبوا"، وفي التجسس"ولا تجسسوا"، وفي الغيبة"ولا يغتب بعضكم بعضًا"ويلاحظ أنه يصح في كلٍ منها استعمال التعبيرات الأخرى لتؤدي فيه دلالتها فيقال مثلًا في السخرية) لا تسخروا من أنفسكم - لا تتساخروا - اجتنبوا السخرية - لا تسخروا - لا يسخر بعضكم من بعض) ... ومع ذلك فقد اختير لكل قبيحة من هذه القبائح الست صيغة التعبير التي تدل على أبرز صورة من صورها" [2] ،وهذا في الحقيقة من روائع الإعجاز البياني القرآني من حيث استيعاب كل المعاني بأوجز أسلوب مؤثر، ولسوف أستعرض تلك المناسبة بين الصيغة والقبيحة عند بيان كل منها إن شاء الله.

(1) سورة الحجرات - آية 11 - 12

(2) قواعد التدبر الأمثل لكتاب الله - عبد الرحمن حبنكة الميداني - 517

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت