الصفحة 29 من 60

وقد فرق العلماء أيضًا بين بلوغ الحجة الذي يكفي لإقامة الحجة، وبين فهم الحجة [20] بمعنى؛ انشراح الصدر لها ومعرفة انوارها، كما يعرفها المقبلون على دين الله تعالى الذين يوفقهم الله تعالى إلى هداية التسديد والتوفيق لإقبالهم عليه، {والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا} ، وفي الحديث: (ومن يتحر الخير يعطه) ، ويحرم منها المستكبرين لإعراضهم، ولكن لا يحرمهم هداية الدلالة والإرشاد التي منحها - كما تقدم - لكافة خلقه وبطرق مختلفة.

وفرقوا أيضًا بين فروع التوحيد وأصله الواضح المستبين بالحجج المتقدمة وهو"الحنيفية"، الميل والبعد عن الشرك.

فهذا كما عرفت قد أقام الله عليه حجته البالغة، ولذلك لم يعذر بتركه ونقضه كثير من الناس، كما لم يعذر والدا النبي صلى الله عليه وسلم ففي الحديث: (إن أبي وأباك في النار) ، مع أنهم كانوا من القوم الذين قال الله تعالى عنهم: {لتنذر قومًا ما أنذر آباؤهم فهم غافلون} ، وقال تعالى: {لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من قبلك} ، وما ذلك إلا لأنهم قد هدموا أصل الدين وقطب رحاه، الذي أقامه الله بالحجج المتنوعة.

بينما زيد بن عمرو بن نفيل - وخبره في صحيح البخاري - قد عذر في تفاصيل الشريعة فلم يكن يصلي صلاتنا ولا صام صيامنا ولا عنده تفاصيل الاعتقاد مما هو موجود ومقرر في القرآن اليوم، وكان يقول: (يا رب لو أعرف طريقة أعبدك بها لفعلت) ، فعذر في ذلك لأن هذا لا يعرف إلا بالحجة الرسالية، ولأنه كان قائمًا بأصل الدين محققًا للحنفية؛ ملة ابراهيم، حتى أنه كان لا يأكل مما ذبح على النصب، ويقول بمحض فطرته مخاطبًا كفار قريش منكرًا عليهم: (يا معشر قريش! الشاة يخلقها الله وينزل لها الماء من السماء وينبت لها الكلأ من الأرض، ثم انتم تذبحونها لغيره؟!) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت