قال الشافعي، رضي الله عنه، قيل لمالك: هل رأيت أبا حنيفة؟ فقال: نعم، رأيت رجلًا لو كلمك في هذه السارية أن يجعلها ذهبًا لقام بحجته. وروى حرملة بن يحيى عن الشافعي رضي الله عنه أنه قال: الناس عيال على هؤلاء الخمسة، من أراد أن يتبحر في الفقه فهو عيال على أبي حنيفة، وكان أبو حنيفة ممن وفق له الفقه، ومن أراد أن يتبحر في الشعر فهو عيال على زهير بن أبي سلمى، ومن أراد أن يتبحر في المغازي فهو عيال على محمد بن إسحاق، ومن أراد أن يتبحر في النحو فهو عيال على الكسائي، ومن أراد أن يتبحر في التفسير فهو عيال على مقاتل بن سليمان، هكذا نقله الخطيب في تاريخه.
وقال يحيى بن معين: القراءة عندي قراءة حمزة، والفقه فقه أبي حنيفة على هذا أدركت الناس.
وقال جعفر بن الربيع: أقمت على أبي حنيفة خمس سنين، فما رأيت أطول صمتًا منه، فإذا سئل عن الفقه تفتح وساهل كالوادي، وسمعت له دويًا وجهارة في الكلام.
وكان إمامًا في القياس؛ قال علي بن عاصم: دخلت على أبي حنيفة وعنده حجام يأخذه من شعره، فقال للحجام: تتبع مواضع البياض، فقال الحجام: لا تزد، فقال: ولم؟ قال لأنه يكثر، قال فتتبع مواضع السواد لعله يكثر، وحكيت لشريك هذه الحكاية فضحك وقال: لو ترك أبو حنيفة قياسه لتركه مع الحجام.
وقال عبد الله بن رجاء: كان لأبي حنيفة جار بالكوفة إسكاف، يعمل نهاره أجمع، حتى إذا جنه الليل رجع إلى منزله، وقد حمل لحمًا فطبخه أو سمكة فيشويها ثم لا يزال يشرب، حتى إذا دب الشراب فيه غرد بصوت، وهو يقول:
أضاعوني وأي فتى أضاعوا ليوم كريهة وسداد ثغر [1]
(1) البيت من الوافر ، وقد نسب لكل من ابن نباتة المصري ، والعرجي ، وأمية بن أبي الصلت ، انظر دواوينهم / الموسوعة الشعرية .