وقال مرة: يدخل عليَّ أصحابي وغيرهم، فأرى في وُجُوههم وأعينهم أمورًا لا أذكرُها لهم.
فقلت له _أو غيري_ لو أخبرتهم؟ فقال: أتريدون أن أكون معرّفًا كمعرف الولاة؟
وقلت له يومًا: لو عاملتنا بذلك لكان أدعى إلى الاستقامة والصلاح، فقال: لا تصبرون معي على ذلك جمعة، أو قال: شهرًا.
وأخبرني غير مرة بأمور باطنة تختص بي مما عزمت عليه، ولم ينطق به لساني.
وأخبرني ببعض حوادث كبار تجري في المستقبل، ولم يعين أوقاتها، وقد رأيت بعضها، وأنا أنتظر بقيتها.
وما شاهده كبار أصحابه من ذلك أضعاف أضعاف ما شاهدته، والله أعلم+ [1] .
ثامنًا: ابن تيمية والشعر
لم يكن ابن تيمية × متمحمضًا للشعر؛ وإنما كان يستروح له، ويستشهد به، ويقوله إذا احتاج إلى ذلك إما جوابًا لسؤال جاء شعرًا، أو يبتدئ ذلك في بعض الأحيان.
ومن الأبيات التي كان يستشهد بها قول أبي تمام:
من لم يقد فيطير في خيشومه ... رهجُ الخميس فلن يقود خميسا
وكذلك قول المتنبي:
يا من ألوذ به فيما أؤمله ... ومن أعوذ به مما أحاذره
لا يجبر الناس عظمًا أنت كاسره ... ولا يهيضون عظمًا أنت جابره
وكان _ كما يقول الصفدي _ كثيرًا ما ينشد:
تموت النفوس بأوصابها ... ولم تدر عوادها ما بها
وما أنصفت مهجة تشتكي ... إلى غير أحبابها ما بها [2]
وأما شعره فله قصائد، وقد مضى ذكر لقصيدته التائية في الافتقار إلى الله _عز وجل_.
ومن أشهر ما يثبت من الشعر الذي قاله ما يلي:
(1) انظر مدارج السالكين لابن القيم 2/458_459.
(2) البيتان الأخيران لابن صُرَّدُرَّ. انظر (أعيان العصر وأعوان النصر) لصلاح الصفدي ضمن الرسائل الموجودة في كتاب: (الجامع لسيرة شيخ الإسلام ابن تيمية خلال سبعة قرون) جمعه ووضع فهارسه الشيخ محمد عزير شمس والشيخ علي بن محمد العمران إشراف وتقديم الشيخ بكر أبو زيد، دار عالم الفوائد مكة، ط2، 1422هـ، ص252.