الصفحة 43 من 139

فإن توحيد الربوبية قائم على ركنيين اثنين:

أحدهما إفراد الله بالخلق والقدرة والتقدير , والثاني إفراده بالحكمة والتدبير كما قال: (أَلا لهُ الخَلقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللهُ رَبُّ العَالمِين) (الأعراف/24) , (اللهُ خَالقُ كُل شَيْءٍ وَهُوَ عَلى كُل شَيْءٍ وَكِيل ٌ) (الزمر/62) (سَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلى الذِي خَلقَ فَسَوَّى وَالذِي قَدَّرَ فَهَدَى) (الأعلى/1 - 3) .

فإذا كان توحيد الربوبية يقوم على إفراد الله بالخلق والتدبير , فإن كثيرا من معاني الربوبية ترتبط بهذين الركنين وتترتب عليهما , ومن أبرز هذه اللوازم المرتبطة بتوحيد الربوبية إفراد الله بالملك والاستواء والفوقية.

ولا يبلغ العبد درجة التوحيد إلا إذا خلع عن نفسه رداء الربوبية واكتسى بثوب العبودية , فعلم واعتقد أنه عبد في ملك سيده مستخلف في أرضه أمين على ملكه , قد ابتلاه فيما أعطاه , وامتحنه فيما خوله واسترعاه. [1]

ومن هنا تعرف أهمية اعتقاد أن الله عز وجل منفرد في ملكه، مستو على عرشه، بائنٌ من خلقه عالم بأحوالهم ومتصرف فيهم من فوق عرشه، وبه يعرف عظم الربوبية وفضلها.

قول الناس: الآدمي جبار ضعيف

قول الناس: الآدمي جبار ضعيف أو فلان جبار ضعيف؛ فإن ضعفه يعود إلى ضعف قواه من قوة العلم والقدرة، وأما تجبره فإنه يعود إلى اعتقاداته وإراداته، أما اعتقاده فأن يتوهم في نفسه أنه أمر عظيم فوق ما هو ولا يكون ذلك، وهذا هو الاختيال والخيلاء والمخيلة وهو أن يتخيل عن نفسه ما لا حقيقة له. ومما يوجب ذلك مدحه بالباطل نظما ونثرا وطلبه للمدح الباطل فإنه يورث هذا الاختيال. وأما الإرادة فإرادة أن يتعظم ويعظم وهو إرادة العلو في الأرض والفخر على الناس وهو أن يريد من العلو ما لا يصلح له أن يريده وهو الرئاسة والسلطان حتى يبلغ به الأمر إلى مزاحمة الربوبية كفرعون ومزاحمة النبوة وهذا موجود في جنس العلماء والعباد والأمراء وغيرهم. [2]

قال صلى الله عليه واله وسلم: (إن إبليس يضع عرشه على الماء ثم يبعث سراياه فأدناهم منه منزلة أعظمهم فتنة يجيء أحدهم فيقول: فعلت كذا و كذا فيقول: ما صنعت شيئا و يجيء أحدهم فيقول: ما تركته حتى فرقت بينه و بين أهله فيدنيه منه و يقول: نعم أنت!) . [3]

وقال: (إنّ إبليس! يضعُ عرشهُ على الماءِ(وفي طريق: البحر) ، ثم يبعثُ سراياهُ؛ فأدناهُم منه منزلةُ أعظمُهم فتنةً، يجيءُ أحدُهم فيقولُ: فعلتُ كذا وكذا، فيقولُ: ما صنعتَ شيئًا، ثمَّ يجيءُ أحدُهم فيقولُ: ما تركتُه حتى فرّقتُ بينهُ وبين امرأتهِ، فيُدنِيه منه ويقولُ: نِعم أنت! قال الأعمش: أراه قال: فيلتزِمُه). [4]

(1) باختصار من دورة منة القدير بميت الرخا غربية - مصر / المحاضرة السابعة. عنوان المحاضرة: (توحيد الربوبية وعلاقته بإثبات الاستواء على عرشه) - الدكتور محمود الرضواني، وانظر كتاب سهل للدكتور الرضواني / الفقر الذاتي والغنى الذاتي. دار العقيدة المصرية، www.alridwany.com .

(2) مجموع الفتاوى / شيخ الاسلام تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني (المتوفى: 728 هـ) ، تحقيق عبد الرحمن بن محمد بن قاسم، الناشر مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، المدينة النبوية - المملكة العربية السعودية، عام النشر 1416 هـ/1995 م، 14/ 219.

(3) رواه الامام احمد في المسند والامام مسلم في صحيحه عن جابر. وقال الشيخ الألباني: (صحيح) . وانظر الحديث رقم / 1526 في صحيح الجامع.

(4) قال الشيخ الالباني في السلسلة الصحيحة/ 3261: أخرجه مسلم (8/ 138) ، وأحمد (3/ 314) ، وعبد بن حميد في المنتخب (3/ 20/1031) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت