فإذا جئنا إلى تشريح الإنسان نفسه فسوف نرى المعجز و الملغز من أمر هذا التوازن الدقيق المحسوب .. فكل عنصر له في الدم نسبة و مقدار .. الصوديوم .. البوتاسيوم .. الكالسيوم .. السكر .. الكوليسترول .. البولينا .
و أي اختلال في هذه النسب و لو بمقادير ضئيلة يكون معناه المرض .. فإذا تفاقم الاختلال فهو العجز و الموت .
و الجسم مسلح بوسائل آلية تعمل في تلقائية على حفظ هذا التوازن طوال الحياة .
بل إن قلوية الدم لها ضوابط لحفظها .
و حموضة البول لها ضوابط لحفظها .
و درجة الحرارة المكيفة دائمًا عند 37 مئوية من ورائها عمليات فسيولوجية و كيميائية ثابتة متزنة عن هذا المستوى .
و كذلك ضغط الدم .
و توتر العضلات .
و نبض القلب .
و نظام الامتصاص و الإخراج .
و نظام الاحتراق الكيميائي في فرن الكبد .
ثم الاتزان العصبي بين عوامل التهدئة و الإثارة .
ثم عملية التنظيم التي تقوم بها الهرمونات و الإنزيمات بين التعجيل و الإبطاء للعمليات الكيميائية و الحيوية .
معجزة فنية من معجزات التوازن و الاتساق و الهارموني يعرفها كل طبيب و كل دارس للفسيولوجيا و التشريح و الكيمياء العضوية .
(( الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا ) )
(الفرقان - 2)
و لن تنتهي الأمثلة في علم النبات و الحيوان و الطب و الفلك , مجلدات و مجلدات .و كل صفحة سوف تؤيد و تؤكد هذا التوازن المحكم و الانضباط العظيم في عالم الخلق و المخلوقات .
و القول بأن كل هذا الاتساق و النظام حدث صدفة و اتفاقًا هو السذاجة بعينها . كقولنا إن انفجارًا في مطبعة أدى إلى أن تصطف الحروف على هيئة قاموس محكم .
و الكيميائي المغرور الذي قال . آتوني بالهواء و الماء و الطين و ظروف نشأة الحياة الأولى و أنا أصنع لكم إنسانًا . هذا الكيميائي قد قرر احتجاجه سلفًا لكل العناصر و الظروف و هو اعتراف بالعجز عن تقليد صنعة الخالق الذي خلق كل شيء و خلق ظروفه أيضًا .