-الضابط الأول: إقرار الكفار الأصليين أن يبقوا على كفرهم
مع أن الله بعث محمدًا - صلى الله عليه وسلم - لمحو الشرك والأصنام و الكفر من الأرض ليكون الدين كله لله،
كما قال - صلى الله عليه وسلم - فيما روى مسلم:"أَرْسَلَنِي بِصِلَةِ الأَرْحَامِ، وَكَسْرِ الأَوْثَانِ، وَأَنْ يُوَحَّدَ اللَّهُ لاَ يُشْرَكُ بِهِ شَيْءٌ". ومع ذلك فالإسلام أقر ترك الكفار الأصليين من أهل الذمة و المعاهدين و المستأمنين أن يبقوا على كفرهم فلم يجبر أحدًا منهم على الدخول في الإسلام قال الله تعالى: {لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ} [البقرة:256] ، وليس ذلك مما ينافي عقيدة الولاء والبراء، بل إنه كفل حمايتهم والقيام بحقوقهم وعدم ظلمهم إذا كانوا تحت حكم شريعتنا، كما روى مسلم عن عُرْوَةَ قَالَ: مَرَّ هِشَامُ بْنُ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ - رضي الله عنه - عَلَى أُنَاسٍ مِنْ الأَنْبَاطِ بِالشَّامِ قَدْ أُقِيمُوا فِي الشَّمْسِ، فَقَالَ: مَا شَأْنُهُمْ؟ قَالُوا: حُبِسُوا فِي الْجِزْيَةِ، فَقَالَ هِشَامٌ: أَشْهَدُ لَسَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ:"إِنَّ اللَّهَ يُعَذِّبُ الَّذِينَ يُعَذِّبُونَ النَّاسَ فِي الدُّنْيَا"، قَالَ: وَأَمِيرُهُمْ يَوْمَئِذٍ عُمَيْرُ بْنُ سَعْدٍ عَلَى فِلَسْطِينَ فَدَخَلَ عَلَيْهِ فَحَدَّثَهُ فَأَمَرَ بِهِمْ فَخُلُّوا". وذكره ابن القيم في (أحكام أهل الذمة:1/ 34) تحت:"فصل: ولا يحل تكليفهم مالا يقدرون عليه، ولا تعذيبهم على أدائها، ولا حبسهم وضربهم"أ. هـ."
الضابط الثاني:: إباحة معاقدة ومعاهدة الكفار
الإسلام أباح معاقدة ومعاهدة الكفار ولو على شروط فيها حيف على المسلمين إذا كان في ذلك مصلحة راجحة للمسلمين كدفع ضرر عنهم خاصة عند الضعف والعجز، وأوجب حفظ العهد الذي بيننا وبينهم، إذا وفّوا بعهدهم وذمتهم. قال الله تعالى: {فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ} [التوبة:4] ، ومما يبين معنى الآية السابقة:
(1) ما روى البخاري في {بَاب الشُّرُوطِ فِي الْجِهَادِ وَالْمُصَالَحَةِ مَعَ أَهْلِ الْحَرْبِ وَكِتَابَةِ الشُّرُوطِ} ، ورواه ابن حبان وَبَوَّب عَلِيْه ذِكْرُ مَا يُسْتَحَبُّ لِلإِمَامِ اسْتِعْمَالُ المُهَادَنَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَعْدَاءِ اللهِ إِذَا رَأَى