الصفحة 41 من 441

فَيَشْتُمُونَ أَعْرَاضَنَا، وَيَجِدُونَ فِي ذَلِكَ أَعْوَانًا مِنَ الْفَاسِقِينَ، حَتَّى وَاللهِ لَقَدْ رَمَوْنِي بِالْعَظَائِمِ، وَايْمُ اللهِ، لَا أَدَعُ أَنْ أَقُومَ فِيهِمْ بِحَقِّهِ».

فَمِنْ هَذَا الْبَابِ يَرْجِعُ الْإِسْلَامُ غَرِيبًا كَمَا بَدَأَ، لِأَنَّ الْمُؤَالِفَ فِيهِ عَلَى وَصْفِهِ الْأَوَّلِ قَلِيلٌ، فَصَارَ الْمُخَالِفُ هُوَ الْكَثِيرَ، فَانْدَرَسَتْ رُسُومُ السُّنَّةِ حَتَّى مَدَّتِ الْبِدَعُ أَعْنَاقَهَا، فَأشْكِلَ مَرْمَاهَا عَلَى الْجُمْهُورِ، فَظَهَرَ مِصْدَاقُ الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ.

التَّحْذِيرُ مِنِ الْبِدَعِ وَبَيَانُ أَنَّهَا ضَلَالَةٌ وَخُرُوجٌ عَنِ الْجَادَّةِ [1] :

وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيَّ مِنَ الْإِنْكَارِ مَا وَقَعَ مَعَ مَا هَدَى اللهُ إِلَيْهِ وَلَهُ الْحَمْدُ، لَمْ أَزَلْ أَتَّبِعُ الْبِدَعَ الَّتِي نَبَّهَ عَلَيْهَا رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وآله وسلم -، وَحَذَّرَ مِنْهَا، وَبَيَّنَ أَنَّهَا ضَلَالَةٌ وَخُرُوجٌ عَنِ الْجَادَّةِ، وَأَشَارَ الْعُلَمَاءُ إِلَى تَمْيِيزِهَا وَالتَّعْرِيفِ بِجُمْلَةٍ مِنْهَا، لَعَلِّي أَجْتَنِبُهَا فِيمَا اسْتَطَعْتُ، وَأَبْحَثُ عَنِ السُّنَنِ الَّتِي كَادَتْ تُطْفِئُ نُورَهَا تِلْكَ الْمُحْدَثَاتُ؛ لَعَلِّي أَجْلُو بِالْعَمَلِ سَنَاهَا [2] ، وَأعَدُّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَنْ أَحْيَاهَا، إِذْ مَا مِنْ بِدْعَةٍ تُحْدَثُ إِلَّا وَيَمُوتُ مِنَ السُّنَنِ مَا هُوَ فِي مُقَابَلَتِهَا، حَسْبَمَا جَاءَ عَنِ السَّلَفِ فِي ذَلِكَ.

التَّرْغِيبُ فِي إِحْيَاءِ السُّنَنِ:

وَجَاءَ مِنَ التَّرْغِيبِ فِي إِحْيَاءِ السُّنَنِ مَا جَاءَ: فَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وآله وسلم - قَالَ: «مَنْ أَحْيَا سُنَّةً مِنْ سُنَّتِى فَعَمِلَ بِهَا النَّاسُ كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ مَنْ عَمِلَ بِهَا لاَ يَنْقُصُ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا، وَمَنِ ابْتَدَعَ بِدْعَةً فَعُمِلَ بِهَا كَانَ عَلَيْهِ أَوْزَارُ مَنْ عَمِلَ بِهَا لاَ يَنْقُصُ مِنْ أَوْزَارِ مَنْ عَمِلَ بِهَا شَيْئًا» . (رواه ابن ماجه، صحّحه الألباني) .

سَبَبُ تَأْلِيفِ كِتَابِ الِاعْتِصَامِ:

وَعَلَى طُولِ الْعَهْدِ وَدَوَامِ النَّظَرِ اجْتَمَعَ لِي فِي الْبِدَعِ وَالسُّنَنِ أُصُولٌ قَرَّرْتُ أَحْكَامَهَا الشَّرْعِيَّةَ، وَفُرُوعٌ طَالَتْ أَفْنَانُهَا، لَكِنَّهَا تَنْتَظِمُهَا تِلْكَ الْأُصُولُ، وَقَلَّمَا تُوجَدُ

(1) الْجَادَّةِ: وَسَطُ الطَّرِيقِ وَمُعْظَمُهُ.

(2) السَّنَا: ضَوْءُ البَرْقِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت