النَّارِ». قِيلَ: «يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَنْ هُمْ؟» ، قَالَ «الْجَمَاعَةُ» . (رواه ابن ماجه، وصحّحه الألباني) .
وَفِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ: «لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ، شِبْرًا بِشِبْرٍ وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ، حَتَّى لَوْ دَخَلُوا فِي جُحْرِ ضَبٍّ لَاتَّبَعْتُمُوهُمْ» ، قُلْنَا: «يَا رَسُولَ اللهِ آلْيَهُودَ وَالنَّصَارَى؟» ، قَالَ: «فَمَنْ؟» [1] (رواه البخاري ومسلم) .
وَهَذَا [2] أَعَمُّ مِنَ الْأَوَّلِ [3] ، فَإِنَّ الْأَوَّلَ [4] عِنْدَ كَثِيرٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ خَاصٌّ بِأَهْلِ الْأَهْوَاءِ، وَهَذَا الثَّانِي عَامٌّ فِي الْمُخَالَفَاتِ، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ مِنَ الْحَدِيثِ قَوْلُ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وآله وسلم: «حَتَّى لَوْ دَخَلُوا فِي جُحْرِ ضَبٍّ لَاتَّبَعْتُمُوهُمْ» . وَكُلُّ صَاحِبِ مُخَالَفَةٍ، فَمِنْ شَأْنِهِ أَنْ يَدْعُوَ غَيْرَهُ إِلَيْهَا وَيَحُصَّ سِوَاهُ عَلَيْهَا؛ إِذِ التَّأَسِّي فِي الْأَفْعَالِ والْمَذَاهِبِ مَوْضُوعٌ طَلَبُهُ فِي الْجِبِلَّةِ [5] ، وَبِسَبَبِهِ تَقَعُ فِي الْمُخَالِفِ الْمُخَالَفَةُ وَتَحْصُلُ مِنَ الْمُوَافِقِ الْمُؤَالَفَةُ، وَمِنْهُ تَنْشَأُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ لِلْمُخْتَلِفِينَ.
عودة الغربة وبقاء أهل السُنّة إلى مجيء أمر الله - سبحانه وتعالى:
كَانَ الْإِسْلَامُ فِي أَوَّلِهِ مُقَاوِمًا بَلْ ظَاهِرًا، وَأَهْلُهُ غَالِبُونَ، فَخَلَا مِنْ وَصْفِ الْغُرْبَةِ بِكَثْرَةِ الْأَهْلِ وَالْأَوْلِيَاءِ النَّاصِرِينَ، فَلَمْ يَكُنْ لِغَيْرِهِمْ - مِمَّنْ لَمْ يَسْلُكْ سَبِيلَهُمْ، أَوْ سَلَكَهُ وَلَكِنَّهُ ابْتَدَعَ فِيهِ - صَوْلَةٌ يَعْظُمُ مَوْقِعُهَا، وَلَا قُوَّةٌ يَضْعُفُ دُونَهَا حِزْبُ اللهِ الْمُفْلِحُونَ، فَصَارَ عَلَى اسْتِقَامَةٍ، وَجَرَى عَلَى اجْتِمَاعٍ وَاتِّسَاقٍ، فَالشَّاذُّ مَقْهُورٌ مُضْطَهَدٌ، إِلَى أَنْ أَخَذَ اجْتِمَاعُهُ فِي الِافْتِرَاقِ الْمَوْعُودِ، وَقُوَّتُهُ إِلَى الضَّعْفِ الْمُنْتَظَرِ،
(1) الضَبُّ: حيوان من جنس الزَّواحف من رتبة (السحالي) ، جسمه خَشِن غليظ له ذَيْلٌ عريض حرش أعْقَد، يكثر في صحَاري الأقطار العربيّة. (فَمَنْ؟) : فَمَنْ غَيْرُ أولَئِكَ؟
(2) أي حديث: «لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ ...
(3) أي حديث: «تَفَرَّقَتِ الْيَهُودُ عَلَى إِحْدَى وَسَبْعِينَ أَوِ اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً ...
(4) أي حديث: «تَفَرَّقَتِ الْيَهُودُ عَلَى إِحْدَى وَسَبْعِينَ أَوِ اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً ...
(5) الجِبِلَّة: الخِلْقَة، ومنه قوله تعالى: {وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ} (الشعراء: 184) .