الصفحة 32 من 441

أَنِفُوا وَقَامُوا وَقَعَدُوا: فَمِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ مَنْ لَجَأَ إِلَى قَبِيلِهِ، فَحَمَوْهُ عَلَى إِغْمَاضٍ [1] ، أَوْ عَلَى دَفْعِ الْعَارِ فِي الْإِخْفَارِ [2] .

وَمِنْهُمْ مَنْ فَرَّ مِنَ الْإِذَايَةِ وَخَوْفِ الْغِرَّةِ [3] ، هِجْرَةً إِلَى اللهِ وَحُبًّا فِي الْإِسْلَامِ.

وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَزِرٌ [4] يَحْمِيهِ، وَلَا مَلْجَأٌ يَرْكَنُ إِلَيْهِ، فَلَقِيَ مِنْهُمْ مِنَ الشِّدَّةِ وَالْغِلْظَةِ وَالْعَذَابِ أَوِ الْقَتْلِ مَا هُوَ مَعْلُومٌ، حَتَّى زَلَّ مِنْهُمْ مَنْ زَلَّ [5] فَرُوجِعَ أَمْرُهُ - بِسَبَبِ الرُّجُوعِ - إِلَى الْمُوَافَقَةِ، وَبَقِيَ مِنْهُمْ مَنْ بَقِيَ صَابِرًا مُحْتَسِبًا، إِلَى أَنْ أَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى الرُّخْصَةَ فِي النُّطْقِ بِكَلِمَةِ الْكُفْرِ عَلَى حُكْمِ الْمُوَافَقَةِ ظَاهِرًا، لِيَحْصُلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ النَّاطِقِ الْمُوَافَقَةُ وَتَزُولَ الْمُخَالَفَةُ، فَنَزَلَ إِلَيْهَا مَنْ نَزَلَ عَلَى حُكْمِ التَّقِيَّةِ، رَيْثَمَا يَتَنَفَّسُ مِنْ كَرْبِهِ وَيَتَرَوَّحُ [6] مِنْ خِنَاقِهِ، وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ.

وَهَذِهِ غُرْبَةٌ أَيْضًا ظَاهِرَةٌ.

وَإِنَّمَا كَانَ هَذَا جَهْلًا مِنْهُمْ بِمَوَاقِعِ الْحِكْمَةِ، وَأَنَّ مَا جَاءَهُمْ بِهِ نَبِيُّهُمْ - صلى الله عليه وآله وسلم - هُوَ الْحَقُّ ضِدَّ مَا هُمْ عَلَيْهِ، فَمَنْ جَهِلَ شَيْئًا عَادَاهُ، فَلَوْ عَلِمُوا لَحَصَلَ الْوِفَاقُ، وَلَمْ يُسْمَعِ الْخِلَافُ [7] ، وَلَكِنَّ سَابِقَ الْقَدَرِ حَتَّمَ عَلَى الْخَلْقِ مَا هُمْ عَلَيْهِ [8] ؛ قَالَ اللهُ تعالى: وَلَوْ

(1) أي حموه على غضٍّ للبصر وتساهلٍ في أمره مع عدم الرغبة الحقيقية في حمايته.

(2) الخفير هو المجير، وخفرْتَ الرجل إذا أجَرْتَه وكنتَ له خفيرًا تمنعه.

(3) الغرة: الغفلة، واغترّه أي أتاه على غرّة منه.

(4) الوَزَرُ: الملجأ.

(5) وهذا نادر في الصحابة - رضي الله عنهم -، فلا يفهم من السياق انقسامهم فريقين: فريق زلّ وفريق بقي.

(6) الرَّوْح: من الاستراحة، وكذا الراحة.

(7) لا يلزم مِن عِلْمِهم حصَولُ الوفاق، فقد علموا الحق، وقامت عليهم الحجّة، وإنما ضلّوا باتباع الهوى، والإعراض عن الحق.

(8) وليس لهم في سابق القدر حجة، فقد جعل الله - عز وجل - لهم قدرةً واختيارًا، وحجَبَ عنهم العلمَ بما قدّر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت