مَعْدُودٌ فِي الْفِرْقَةِ النَّاجِيَةِ، وَالنَّاكِبُ [1] عَنْهَا مَصْدُودٌ إِلَى الْفِرَقِ الْمُقَصِّرَةِ أَوِ الْفِرَقِ الْغَالِيَةِ.
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ الَّذِينَ اهْتَدَوْا بِشَمْسِهِ الْمُنِيرَةِ، وَاقْتَفَوْا آثَارَهُ اللَّائِحَةَ وَأَنْوَارَهُ الْوَاضِحَةَ وُضُوحَ الظَّهِيرَةِ، وَفَرَّقُوا بِصَوَارِمِ أَيْدِيهِمْ وَأَلْسِنَتِهِمْ بَيْنَ كُلِّ نَفْسٍ فَاجِرَةٍ وَمَبْرُورَةٍ، وَبَيْنَ كُلِّ حُجَّةٍ بَالِغَةٍ وَحُجَّةٍ مُبِيرَةٍ [2] ، وَعَلَى التَّابِعِينَ لَهُمْ عَلَى ذَلِكَ السَّبِيلِ، سَائِرِ الْمُنْتَمِينَ إِلَى ذَلِكَ الْقَبِيلِ [3] ، وَسَلِّمْ تَسْلِيمًا كَثِيرًا.
أَمَّا بَعْدُ: فَإِنِّي أُذَكِّرُكَ أَيُّهَا الصَّدِيقُ الْأَوْفَى، وَالْخَالِصَةُ الْأَصْفَى، فِي مُقَدِّمَةٍ يَنْبَغِي تَقْدِيمُهَا قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي الْمَقْصُودِ، وَهِيَ مَعْنَى قَوْلِ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وآله وسلم: «بَدَأَ الْإِسْلَامُ غَرِيبًا، وَسَيَعُودُ غَرِيبًا كَمَا بَدَأَ؛ فَطُوبَى [4] لِلْغُرَبَاءِ» . (رواه مسلم) . قِيلَ: «وَمَنِ الْغُرَبَاءُ يَا رَسُولَ اللهِ؟» قَالَ: «الَّذِينَ يُصْلِحُونَ عِنْدَ فَسَادِ النَّاسِ» . (رواه الآجري في كتاب الغرباء، وصحّحه الألباني) .
الغُرْبَةُ الأولَى:
وَجُمْلَةُ الْمَعْنَى فِيهِ مِنْ جِهَةِ وَصْفِ الْغُرْبَةِ مَا ظَهَرَ بِالْعِيَانِ والْمُشَاهَدَةِ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ وَآخِرِهِ: وَذَلِكَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وآله وسلم - بَعَثَهُ اللهُ تَعَالَى عَلَى حِينِ فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ،
(1) نكب عن الطريق: عدل عنه ومال وتنحَّى واعتزل.
(2) مُبِيرَة: فاسدة هالكة.
(3) القبيل: الجماعة تكون من الثلاثة فصاعدًا من قوم شتّى.
(4) قال الإمام النووي - رحمه الله: «اخْتَلَفَ الْمُفَسِّرُونَ فِي مَعْنَى قَوْله تعالى: {الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ} (الرعد: 29) ؛ فَرُوِيَ عَنْ اِبْن عَبَّاس - رضي الله عنهما - أَنَّ مَعْنَاهُ: «فَرَح وَقُرَّة عَيْن» . وَقَالَ عِكْرِمَة: «نِعْمَ مَا لَهُمْ» . وَقَالَ الضَّحَّاك: «غِبْطَة لَهُمْ» . وَقَالَ قَتَادَةُ: «حُسْنَى لَهُمْ» . وَعَنْ قَتَادَةَ أَيْضًا: «مَعْنَاهُ أَصَابُوا خَيْرًا» . وَقَالَ إِبْرَاهِيم: «خَيْر لَهُمْ وَكَرَامَة» . وَقَالَ اِبْن عَجْلَان: «دَوَام الْخَيْر» . وَقِيلَ: «الْجَنَّة» . وَقِيلَ: «شَجَرَة فِي الْجَنَّة» . وَكُلّ هَذِهِ الْأَقْوَال مُحْتَمَلَة فِي الْحَدِيث. وَاَللهُ أَعْلَم».
[انظر: شرح صحيح مسلم (2/ 176) ] .