الصفحة 37 من 163

3 -أن توحيد الربوبية قد أقر به المشركون كما قال تعالى: (قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ) (يونس 31) .

وقال تعالى: (قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ) (المؤمنون 84 - 89) .

وقال تعالى: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ) (لقمان 25) .

وقال تعالى: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ) (الزخرف 87) .

وقال المقريزي: (ولا ريب أن توحيد الربوبية لم ينكره المشركون، بل أقروا بأنه سبحانه وحده خالقهم، وخالق السماوات والأرض، والقائم بمصالح العالم كله، وإنما أنكروا توحيد الألوهية) إلى أن قال: (من عدل به غيره فقد أشرك في ألوهيته ولو وحد في ربوبيته، فتوحيد الربوبية هو الذي اجتمعت فيه الخلائق مؤمنها وكافرها، وتوحيد الألوهية مفترق الطرق بين المؤمنين والمشركين) . [1]

فلأن الإقرار بالربوبية كان مسلما به عند المشركين لم يرسل الله رسولا لتحقيق هذا التوحيد، ولم تعرض له الكتب السماوية كما عرضت لتوحيد العبادة لأنه تحصيل حاصل.

والمصيبة أن أهل الكلام أفنوا أعمارهم لتحقيق هذه القضية المسلَّم بها حتى عند المشركين. وليتهم وقفوا عند هذا الباب بل زعموا أن توحيد الربوبية هو الغاية العظمى من بعثة الرسل، وأنهم إذا أثبتوه بالدليل فقد أثبتوا غاية التوحيد. [2]

وفي ذلك يقول الشيخ محمد عبده: (أصل معنى التوحيد اعتقاد أن الله واحد لا شريك له ... وهو إثبات الوحدة لله في الذات والفعل في خلق الأكوان، وأنه وحده مرجع كل كون ومنتهى كل قصد. وهذا المطلب كان الغاية العظمى من بعثة النبي صلى الله عليه وسلم كما تشهد به آيات الكتاب العزيز) . [3]

والرد على هذا ما يلي:

أ/ أن توحيد الربوبية نوع من التوحيد فهو بعضه لا جميعه، وقد أقر به المشركون، فكيف مع ذلك يكون هو الغاية العظمى من بعثة الرسل؟

ب/ أن مجرد الإقرار بهذا التوحيد فقط لا يوجب الدخول في الإسلام ولا يصير به الرجل مسلما.

فمشركو العرب كانوا مقرين بأن الله تعالى وحده خالق كل شيء، ومع هذا سماهم مشركين، حيث قال عنهم: (وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلا وَهُمْ مُشْرِكُونَ) (يوسف 106) .

فالمراد بقوله تعالى: (وَمَا يُؤْمِنُ) هو تصديقهم واعترافهم بأن الله تعالى هو الخالق الرازق المحيي المميت، والمراد من قوله تعالى: (إِلا وَهُمْ مُشْرِكُونَ) أي أنهم أشركوا مع الله في عبادته وهذا ما فسر به السلف هذه الآية. [4]

قال محمود الألوسي الحنفي في تفسير هذه الآية: (يندرج فيهم كل من أقر بالله تعالى وخالقيته مثلا وكان مرتكبا ما يعد شركا كيفما كان، ومن أولئك عبدة القبور الناذرون لها المعتقدون للنفع والضر ممن الله تعالى أعلم بحاله فيها وهم اليوم أكثر من الدود) . [5]

(1) تجريد التوحيد ص 20، 21.

(2) انظر اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم، لشيخ الإسلام ابن تيمية تحقيق د. ناصر العبد الكريم العقل، الطبعة الأولى 1404 هـ، شركة العبيكان ـ الرياض.2/ 845 - 846؛ ومجموع الفتاوى 3/ 98؛ وفتح المجيد شرح كتاب التوحيد، الشيخ عبد الرحمن بن حسن بن عبد الوهاب، طبعة دار البيان ـ دمشق. ص 13.

(3) رسالة التوحيد لمحمد عبده، الطبعة الخامسة سنة 1405 هـ، دار إحياء العلوم ـ بيروت / ص 43.

(4) كابن عباس ومجاهد وعطاء وعكرمة والشعبي وقتادة والضحاك. انظر جامع البيان 14/ 77. ومعالم التنزيل 2/ 452.

(5) قلت: روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني/ شهاب الدين محمود بن عبد الله الحسيني الألوسي (المتوفى 1270 هـ) ، تحقيق علي عبد الباري عطية، دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة الأولى، 1415 هـ، 7/ 64.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت