الصفحة 35 من 163

الكافرين حكم بإسلامه؛ لزوال الموجب للتغيير عن أصل الفطرة. وقد روي عنه؛ وعن ابن المبارك وعنهما: أنهم قالوا: (يولد على ما فطر عليه من شقاوة وسعادة) ، وهذا القول لا ينافي الأول فإن الطفل يولد سليما وقد علم الله أنه سيكفر فلا بد أن يصير إلى ما سبق له في أم الكتاب كما تولد البهيمة جمعاء وقد علم الله أنها ستجدع. وهذا معنى ما جاء في صحيح مسلم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الغلام الذي قتله الخضر: طبع يوم طبع كافرا؛ ولو ترك لأرهق أبويه طغيانا وكفرا) [1] يعني طبعه الله في أم الكتاب أي كتبه وأثبته كافرا؛ أي أنه إن عاش كفر بالفعل. ولهذا (لما سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عمن يموت من أطفال المشركين وهو صغير قال: الله أعلم بما كانوا عاملين) [2] أي الله يعلم من يؤمن منهم ومن يكفر لو بلغوا. ثم إنه قد جاء في حديث إسناده مقارب عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:" (إذا كان يوم القيامة فإن الله يمتحنهم ويبعث إليهم رسولا في عرصة القيامة فمن أجابه أدخله الجنة ومن عصاه أدخله النار) [3] فهنالك يظهر فيهم ما علمه الله سبحانه ويجزيهم على ما ظهر من العلم وهو إيمانهم وكفرهم؛ لا على مجرد العلم."

وهذا أجود ما قيل في أطفال المشركين وعليه تتنزل جميع الأحاديث. ومثل الفطرة مع الحق: مثل ضوء العين مع الشمس وكل ذي عين لو ترك بغير حجاب لرأى الشمس والاعتقادات الباطلة العارضة من تهود وتنصر وتمجس: مثل حجاب يحول بين البصر ورؤية الشمس. وكذلك أيضا كل ذي حس سليم يحب الحلو إلا أن يعرض في الطبيعة فساد يحرفه حتى يجعل الحلو في فمه مرا. ولا يلزم من كونهم مولودين على الفطرة أن يكونوا حين الولادة معتقدين للإسلام بالفعل فإن الله أخرجنا من بطون أمهاتنا لا نعلم شيئا [4] ولكن سلامة القلب

(1) في صحيح الجامع للشيخ الالباني 4183 -"الغلام الذي قتله الخضر طبع يوم طبع كافرا ولو عاش لأرهق أبويه طغيانا وكفرا".

صحيح: مسلم وأبو داود والترمذي عن أبي. السنة 193: ابن أبي عاصم.

(2) في ظلال الجنة للشيخ الالباني 208 - عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: سئل عن اولاد المشركين من مات منهم صغيرا فقال: (الله أعلم بما كانوا عاملين) . إسناده جيد وقد أخرجه مسلم (8/ 45) من طريق أخرى عن سفيان به وأخرجه

أحمد (2/ 244) عن سفيان به ثم أخرجه (2/ 264) من طريق أخرى عن أبي الزناد وأخرجه البخاري (4/ 252) من طريق اخرى عن أبي هريرة تأتي بعد الحديث.

(3) روى الامام احمد في المسند 16301 - عَنِ الْأَسْوَدِ بْنِ سَرِيعٍ، أَنَّ نَبِيَّ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:"أَرْبَعَةٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: رَجُلٌ أَصَمُّ لَا يَسْمَعُ شَيْئًا، وَرَجُلٌ أَحْمَقُ، وَرَجُلٌ هَرَمٌ، وَرَجُلٌ مَاتَ فِي فَتْرَةٍ، فَأَمَّا الْأَصَمُّ فَيَقُولُ: رَبِّ، لَقَدْ جَاءَ الْإِسْلَامُ وَمَا أَسْمَعُ شَيْئًا، وَأَمَّا الْأَحْمَقُ فَيَقُولُ: رَبِّ، لَقَدْ جَاءَ الْإِسْلَامُ وَالصِّبْيَانُ يَحْذِفُونِي بِالْبَعْرِ، وَأَمَّا الْهَرَمُ فَيَقُولُ: رَبِّ، لَقَدْ جَاءَ الْإِسْلَامُ وَمَا أَعْقِلُ شَيْئًا، وَأَمَّا الَّذِي مَاتَ فِي الْفَتْرَةِ فَيَقُولُ: رَبِّ، مَا أَتَانِي لَكَ رَسُولٌ، فَيَأْخُذُ مَوَاثِيقَهُمْ لَيُطِيعُنَّهُ، فَيُرْسِلُ إِلَيْهِمْ أَنْ ادْخُلُوا النَّارَ، قَالَ: فَوَ الَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَوْ دَخَلُوهَا لَكَانَتْ عَلَيْهِمْ بَرْدًا وَسَلَامًا"، قال محققو المسند: حديث حسن، وهذا إسناد ضعيف لانقطاعه. قلت: وهو في السلسلة الصحيحة للألباني 1434.

(4) قال ابن القيم: (فليس المراد به أنه حين خرج من بطن أمه يعلم هذا الدين ويريده فإنه الله يقول:(وَاللهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا) (النحل 78) ، ولكن فطرته موجبة مقتضية لدين الإسلام لقروبه ومحبته فنفس الفطرة تستلزم الإقرار بخالقه ومحبته وإخلاص الدين له وموجبات الفطرة ومقتضياتها تحصل شيئا بعد شيء بحسب كمال الفطرة إذا سلمت من المعارض وليس المراد ايضا مجرد قبول الفطرة لذلك فإن هذا القبول تغير بتهويد الأبوين وتنصيرهما بحيث يخرجان الفطرة عن قبولها وإن سعيا بين بينهما ودعائهما في امتناع حصول المقبول ايضا ليس هو الإسلام وليس هو هذه الملة وليس هو الحنيفية وأيضا فإنه شبه تغيير الفطرة بجدع البهيمة الجمعاء ومعلوم أنهم لم يغيروا قبوله ولو تغير القبول وزال لم تقم عليه الحجة بإرسال الرسل وإنزال الكتب بل المراد أن كل مولود فإنه يولد على محبته لفاطره وإقراره له بربوبيته وادعائه له بالعبودية فلو خلي وعدم المعارض لم يعدل عن ذلك إلى غيره كما أنه يولد على محبة ما يلائم بدنه من الأغذية والأشربة فيشتهي اللبن الذي يناسبه ويغذيه وهذا من قوله تعالى: (رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى) (طه 50) ، وقوله: (الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى ? وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى) (الأَعلى 2 - 3) ، فهو سبحانه خلق الحيوان مهتديا إلى جلب ما ينفعه ودفع ما يضره ثم هذا الحب والبغض يحصل فيه شيئا فشيئا بحسب حاجته ثم قد يعرض لكثير من الأبدان ما يفسد ما ولد عليه من الطبيعة السليمة والعادة الصحيحة فهكذا ما ولد عليه من الفطرة ولهذا شبهت الفطرة باللبن بل كانت إياه في التأوليل للرؤيا ولما عرض على النبي صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء اللبن والخمر أخذ اللبن فقيل له أخذت الفطرة ولو أخذت الخمر لغوت أمتك فمناسبة اللبن لبدنه وصلاحه عليه دون غيره لمناسبة الفطرة لقلبه وصلاحه بها دون غيرها). إھ

شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل/ ابن القيم الجوزية، تحقيق محمد بدر الدين أبو فراس النعساني الحلبي، دار الفكر -بيروت، 1398 - 1978، ص 289.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت