مضى وانقضى أمره ، وأما من لم يجئ بعد فلم يذكر منهم أحدا ، انتهى . وهذا ينتقض بيأجوج ومأجوج .
وقد وقع في تفسير البغوي [1] : أن الدجال مذكور في القرآن في قوله تعالى: { لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ } ( سورة غافر ، الآية: 57) ، وأن المراد بالناس هنا الدجال ، من إطلاق الكل على البعض ، وهذا إن ثبت أحسن الأجوبة فيكون من جملة ما تكفل النبي - صلى الله عليه وسلم - ببيانه والعلم عند الله تعالى" [2] "
ومما سبق يتضح لنا أن خروج الدجال من أشراط الساعة الكبرى الثابتة ، ومن الأخبار المتواترة التي يجب الإيمان بها ، وفي ما مضى من الأدلة رد على من أنكر خروج الدجال بالكلية من الخوارج والجهمية والمعتزلة وغيرهم ممن سار على نهجهم قديما وحديثا ، أو قال إن ما يأتي به الدجال خيالات لا حقيقة لها ، فكل هؤلاء قد ردوا ما تواترت به الأحاديث الصحيحة من غير وجه عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كما تقدم .
قال الحافظ ابن كثير - رحمه الله - في معرض رده على هؤلاء:"وقد تقدم حديث حذيفة وغيره أن ماءه نار وناره ماء بارد ، وإنما ذلك في رأي العين ، وقد تمسك بهذا الحديث طائفة من العلماء كابن حزم ، والطحاوي وغيرهما في أن الدجال ممخرق [3] مموه لا حقيقة لما يبدي للناس من الأمور التي تشاهد في زمانه بل كلها خيالات عند هؤلاء" [4] .
والذي يظهر من الأحاديث المتقدمة أن الدجال يمتحن الله به عباده بما يخلقه معه من الخوارق المشاهدة في زمانه ، كما تقدم أن من استجاب له يأمر السماء فتمطرهم والأرض فتنبت لهم زرعا تأكل منه أنعامهم وأنفسهم وترجع إليهم سمانا ، ومن لا يستجيب له ويرد عليه أمره تصيبهم السنة والجدب والقحط والعلة وموت الأنعام ونقص الأموال والأنفس والثمرات ، وأنه تتبعه كنوز الأرض كيعاسيب النحل ، ويقتل ذلك الشاب ثم يحييه ، وهذا كله ليس بمخرقة بلِ له حقيقة امتحن الله به عباده في ذلك الزمان ، فيضل به كثيرا ويهدي به كثيراَ ، يكفر المرتابون ، ويزداد الذين آمنوا إيمانا ، وقد حمل القاضي عياض وغيره على هذا المعنى معنى الحديث « هو أهون على الله من ذلك » .
أي هو أقل من أن يكون معه ما يضل به عباده المؤمنين ، وما ذاك إلا لأنه ظاهر النقص والفجور والظلم ، وإن كان معه من الخوارق ، وبين عينيه مكتوب كافر كتابة ظاهرة ، وقد حقق ذلك
(1) - تفسير البغوي: ( 4 / 101 )
(2) - فتح الباري ( 13 / 91 ، 92 ) .
(3) - الممخرق: المشعوذ .
(4) - أشراط الساعة - (1 / 139) وإتحاف الجماعة بما جاء في الفتن والملاحم وأشراط الساعة - (3 / 89) والنهاية في الفتن والملاحم موافق للمطبوع - (1 / 83)