ثُمَّ أُتِيَ بِدَابَّةٍ يُقَالُ لَهَا: الْبُرَاقُ ، فَحُمِلَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَطِيمِ أَوِ الْحِجْرِ ، وَهُمَا جَمِيعًا فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ، فَانْطَلَقَ بِهِ جِبْرِيلُ حَتَّى أَتَى بِهِ عَلَى قَبْرِ مُوسَى عَلَى حَسَبِ مَا وَصَفْنَاهُ ، ثُمَّ دَخَلَ مَسْجِدَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ ، فَخَرَقَ جِبْرِيلُ الصَّخْرَةَ بِإِصْبَعِهِ ، وَشَدَّ بِهَا الْبُرَاقَ ، ثُمَّ صَعِدَ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ.
ذِكْرُ شَدِّ الْبُرَاقِ بِالصَّخْرَةِ فِي خَبَرِ بُرَيْدَةَ ، وَرُؤْيَتِهِ مُوسَى - صلى الله عليه وسلم - يُصَلِّي فِي قَبْرِهِ لَيْسَا جَمِيعًا فِي خَبَرِ مَالِكِ بْنِ صَعْصَعَةَ.
فَلَمَّا صَعِدَ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا ، اسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ ، قِيلَ: مَنْ هَذَا ؟ قَالَ: جِبْرِيلُ ، قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ - صلى الله عليه وسلم - ، قِيلَ: وَقَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ ؟ يُرِيدُ بِهِ: وَقَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ لِيُسْرَى بِهِ إِلَى السَّمَاءِ ، لاَ أَنَّهُمْ لَمْ يَعْلَمُوا بِرِسَالَتِهِ إِلَى ذَلِكَ الْوَقْتِ ، لأَنَّ الإِسْرَاءَ كَانَ بَعْدَ نُزُولِ الْوَحْيِ بِسَبْعِ سِنِينَ ، فَلَمَّا فُتِحَ لَهُ فَرَأَى آدَمَ عَلَى حَسَبِ مَا وَصَفْنَا قَبْلُ.
وَكَذَلِكَ رُؤْيَتُهُ فِي السَّمَاءِ الثَّانِيَةِ يَحْيَى بْنَ زَكَرِيَّا ، وَعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ ، وَفِي السَّمَاءِ الثَّالِثَةِ يُوسُفَ بْنَ يَعْقُوبَ ، وَفِي السَّمَاءِ الرَّابِعَةِ إِدْرِيسَ ، ثُمَّ فِي السَّمَاءِ الْخَامِسَةِ هَارُونَ ، ثُمَّ فِي السَّمَاءِ السَّادِسَةِ مُوسَى ، ثُمَّ فِي السَّمَاءِ السَّابِعَةِ إِبْرَاهِيمَ ، إِذْ جَائِزٌ أَنَّ اللَّهَ جَلَّ وَعَلاَ أَحْيَاهُمْ لأَنْ يَرَاهُمُ الْمُصْطَفَى - صلى الله عليه وسلم - فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ ، فَيَكُونُ ذَلِكَ آيَةً مُعْجِزَةً يُسْتَدَلُّ بِهَا عَلَى نُبُوَّتِهِ عَلَى حَسَبِ مَا أَصَّلْنَا قَبْلُ.
ثُمَّ رُفِعَ لَهُ سِدْرَةُ الْمُنْتَهَى ، فَرَآهَا عَلَى الْحَالَةِ الَّتِي وَصَفَ.
ثُمَّ فُرِضَ عَلَيْهِ خَمْسُونَ صَلاَةً ، وَهَذَا أَمْرُ ابْتِلاَءٍ أَرَادَ اللَّهُ جَلَّ وَعَلاَ ابْتِلاَءَ صَفِيِّهِ مُحَمَّدٍ - صلى الله عليه وسلم - حَيْثُ فَرَضَ عَلَيْهِ خَمْسِينَ صَلاَةً ، إِذْ كَانَ فِي عِلْمِ اللهِ السَّابِقِ أَنَّهُ لاَ يَفْرِضُ عَلَى أُمَّتِهِ إِلاَّ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فَقَطْ ، فَأَمَرَهُ بِخَمْسِينَ صَلاَةً أَمْرَ ابْتِلاَءٍ ، وَهَذَا كَمَا نَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ جَلَّ وَعَلاَ قَدْ يَأْمُرُ بِالأَمْرِ يُرِيدُ أَنْ يَأْتِيَ الْمَأْمُورُ بِهِ إِلَى أَمْرِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُرِيدَ وُجُودَ كَوْنِهِ ، كَمَا أَمَرَ اللَّهُ جَلَّ وَعَلاَ خَلِيلَهُ إِبْرَاهِيمَ بِذَبْحِ ابْنِهِ ، أَمَرَهُ بِهَذَا الأَمْرِ أَرَادَ بِهِ الاِنْتِهَاءَ إِلَى أَمْرِهِ دُونَ وُجُودِ كَوْنِهِ ، فَلَمَّا أَسْلَمَا ، وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ ، فَدَاهُ بِالذِّبْحِ الْعَظِيمِ ، إِذْ لَوْ أَرَادَ اللَّهُ جَلَّ وَعَلاَ كَوْنَ مَا أَمَرَ ، لَوَجَدَ ابْنَهُ مَذْبُوحًا ، فَكَذَلِكَ فَرَضَ الصَّلاَةَ خَمْسِينَ أَرَادَ بِهِ الاِنْتِهَاءَ إِلَى أَمْرِهِ دُونَ وُجُودِ كَوْنِهِ ، فَلَمَّا رَجَعَ إِلَى مُوسَى ، وَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ أُمِرَ بِخَمْسِينَ صَلاَةً كُلَّ يَوْمٍ ، أَلْهَمَ اللَّهُ مُوسَى أَنْ يَسْأَلَ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِمَا وَسَلَّمَ بِسُؤَالِ رَبِّهِ التَّخْفِيفَ لِأُمَّتِهِ ، فَجَعَلَ جَلَّ وَعَلاَ قَوْلَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلاَمُ لَهُ سَبَبًا لِبَيَانِ الْوُجُودِ لِصِحَّةِ مَا قُلْنَا: إِنَّ الْفَرْضَ مِنَ اللهِ عَلَى عِبَادِهِ أَرَادَ إِتْيَانَهُ خَمْسًا لاَ خَمْسِينَ. فَرَجَعَ إِلَى اللهِ جَلَّ وَعَلاَ فَسَأَلَهُ ، فَوَضَعَ عَنْهُ عَشْرًا ، وَهَذَا أَيْضًا أَمْرُ ابْتِلاَءٍ أُرِيدَ بِهِ الاِنْتِهَاءُ إِلَيْهِ دُونَ وُجُودِ كَوْنِهِ ، ثُمَّ جَعَلَ سُؤَالَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلاَمُ إِيَّاهُ سَبَبًا لِنَفَاذِ قَضَاءِ اللهِ جَلَّ وَعَلاَ فِي سَابِقِ عِلْمِهِ ، أَنَّ الصَّلاَةَ تُفْرَضَ عَلَى هَذِهِ الْأُمَّةِ خَمْسًا لاَ خَمْسِينَ ، حَتَّى رَجَعَ فِي التَّخْفِيفِ إِلَى خَمْسِ صَلَوَاتٍ.