فهرس الكتاب

الصفحة 29 من 559

وفيها كشف للمؤمنين عن هول هذا العذاب الذي يلاقيه المنافقون ، وأنهم في الدرك لأسفل من النار ، ينزلون منها للنزل الدّون ، الذي بعده منزلة ، الأئمة والكافرين! [1]

وفى الآية إشارة إلى أن دار العذاب في الآخرة ذات دركات بعضها أسفل من بعض ، كما أن دار النعيم درجات بعضها أعلى من بعض.

وإنما كان المنافقون في الدرك الأسفل من النار ، لأنهم شرُّ أهلها ، إذ هم جمعوا بين الكفر والنفاق ومخادعة الرسول والمؤمنين وغشهم ، فأرواحهم أسفل الأرواح ، ونفوسهم أحط النفوس ، ومن ثم كانوا أجدر الناس بالدرك الأسفل منها.

أما أكثر الكفار فقد غلب عليهم الجهل بحقيقة التوحيد ، فهم مع إيمانهم باللّه يشركون به غيره ، من صنم أو وثن يتخذونه شفيعا عنده ووسيطا بينه وبينه ، وقد قاسوا ذلك على معاملة الملوك المستبدين ، والأمراء الظالمين. [2]

إنه مصير يتفق مع ثقلة الأرض التي تلصقهم بالتراب ، فلا ينطلقون ولا يرتفعون.

ثقلة المطامع والرغائب ، والحرص والحذر ، والضعف والخور!

الثقلة التي تهبط بهم إلى موالاة الكافرين ومداراة المؤمنين. والوقوف في الحياة ذلك الموقف المهين: «مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذلِكَ. لا إِلى هؤُلاءِ وَلا إِلى هؤُلاءِ» ..

فهم كانوا في الحياة الدنيا يزاولون تهيئة أنفسهم وإعدادها لذلك المصير المهين «فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ» ..

بلا أعوان هنالك ولا أنصار .. وهم كانوا يوالون الكفار في الدنيا ، فأنى ينصرهم الكفار؟

ثم يفتح لهم - بعد هذا المشهد المفزع - باب النجاة .. باب التوبة لمن أراد النجاة: «إِلَّا الَّذِينَ تابُوا وَأَصْلَحُوا ، وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ ، وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ. فَأُولئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ. وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا» ..

وفي مواضع أخرى كان يكتفي بأن يقول: «إِلَّا الَّذِينَ تابُوا وَأَصْلَحُوا» .. فالتوبة والإصلاح يتضمنان الاعتصام باللّه ، وإخلاص الدين للّه. ولكنه هنا ينص على الاعتصام باللّه ، وإخلاص الدين للّه. لأنه يواجه نفوسا تذبذبت ، ونافقت ، وتولت غير اللّه. فناسب أن ينص عند ذكر التوبة والإصلاح ، على التجرد للّه ، والاعتصام به وحده وخلاص هذه النفوس من تلك المشاعر المذبذبة ، وتلك الأخلاق المخلخلة .. ليكون في الاعتصام باللّه وحده قوة وتماسك ، وفي الإخلاص للّه وحده خلوص وتجرد ..

(1) - التفسير القرآني للقرآن ـ موافقا للمطبوع - (3 / 944)

(2) - تفسير الشيخ المراغى ـ موافقا للمطبوع - (5 / 189) و التفسير الواضح ـ موافقا للمطبوع - (1 / 446)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت