فهرس الكتاب

الصفحة 145 من 559

« وَجاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِنْ قَبْلُ كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ قالَ يا قَوْمِ هؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي .. أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ » .ولقد وقع ما توقعه لوط .. وها هى ذى العاصفة تدور حول بيته ، وتحطّم الأبواب .. فيقتحم القوم عليه الدار ، وقد جاءوا سراعا من كل جهة ، يتسابقون لإدراك هذا الصيد ، قبل أن يفلت من أيديهم! « وَجاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ » أي يسرعون إليه في خفّة وطيش.وانظر كيف تبلغ السفاهة بالقوم .. إنهم ليأتون الفاحشة في غير مبالاة ، ولا ستر من حياء! يأتونها جهرة وفى صورة جماعية ، دون أن يجد أحدهم حرجا أو استحياء! وهذا غاية التدلّى والإسفاف في عالم الإنسان ، إلى درجة لا ينزل إليها كثير من عالم الحيوان .. حيث تأبى على بعض الحيوان طبيعته أن يتصل بأنثاه على مرأى من بنى جنسه! بله اتصاله بذكر!

الأمر الذي لم تعرفه الكائنات الحيّة ، إلا في هذا الصنف الرّذل الخسيس من الناس! ـ وفى قوله تعالى: « وَمِنْ قَبْلُ كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ » عرض لسيرة هؤلاء القوم ، وفضح لمخازيهم ، وأن هذا الذي جاءوا إليه ليس ابن يومه ، وإنما هو داء تعاطاه القوم من قبل ، فكان طبيعة غلبت عليهم ، حتى لقد صار عادة مألوفة عندهم ، وأمرا مستقرا فيهم ، ليس فيه ما يثير أي إحساس عندهم بالخزي أو الاستحياء ..وقد عبّر القرآن عن هذا المنكر الذي يتعاطونه بالوصف المناسب له ، دون أن يذكر اسمه ، تقزّزا له ، وصيانة للأفواه أن تتلفظ به ، وللأسماع أن يقع عليها ..ومن جهة أخرى ، فقد جاء القرآن بوصفه جمعا .. هكذا: « السيئات » للدلالة على أنه منكر غليظ مركّب ، وأنه ليس سيئة ، بل هو سيئات ، وليس منكرا ، بل هو منكرات! ـ وفى قوله تعالى: « يا قَوْمِ هؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ » دعوة لهم إلى أن يكون أربهم وشهوتهم للنساء .. لا للرجال ، فذلك هو الوضع الطبيعىّ للحياة الإنسانية .. فهو ـ عليه السلام ـ يدعوهم إلى التزوج ببناته ، وإلى التعفف بالزواج بالمرأة والاتصال بها ، حتى يعفّوا عن ارتكاب هذا المنكر ، والاتصال بالرجال ..وفى هذا يقول اللّه تعالى على لسان لوط لهم: « إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ ما سَبَقَكُمْ بِها مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعالَمِينَ أَإِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نادِيكُمُ الْمُنْكَرَ » (28 ـ 29 العنكبوت) .

ويقول سبحانه في موضع آخر على لسان لوط أيضا: « أَتَأْتُونَ الذُّكْرانَ مِنَ الْعالَمِينَ وَتَذَرُونَ ما خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْواجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عادُونَ » (165 ـ 166: الشعراء) .

قوله تعالى: « فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ » ..والسؤال هنا: هل كان القوم مؤمنين باللّه حتى يذكّرهم لوط باسمه تعالى ، ويدعوهم إلى تقواه ؟

والجواب: أنهم لو كانوا مؤمنين باللّه ، لما استعلن فيهم هذا المنكر على تلك الصورة التي سجّلها القرآن عليهم .. فإن الإيمان باللّه يردّ الإنسان عن كثير من المنكر ، ويقيم بين النّاس وازعا يزعهم من أن يخرجوا هذا الخروج السافر عن إنسانيتهم ، وأن يتدلّوا هذا التدلّى المسفّ إلى مادون الحيوان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت