فهرس الكتاب

الصفحة 47 من 49

اعبد الله ولا تشرك به شيئًا، واعمل لله كأنك تراه

30 -عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، قَالَ: قَالَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَوْصِنِي، فَقَالَ:"اعْبُدِ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، وَاعْدُدْ نَفْسَكَ فِي الْمَوْتَى، وَاذْكُرِ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ عِنْدَ كُلِّ حَجَرٍ وَعِنْدَ كُلِّ شَجَرٍ، وَإِذَا عَمِلْتَ سَيِّئَةً فَاعْمَلْ بِجَنْبِهَا حَسَنَةً: السِّرُّ بِالسِّرِّ، وَالْعَلَانِيَةُ بِالْعَلَانِيَةِ"، ثُمَّ قَالَ: «أَلَا أُخْبِرُكَ بِأَمْلَكِ النَّاسِ مِنْ ذَلِكَ؟» قُلْتُ: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ، فَأَخَذَ بِطَرَفِ لِسَانِهِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ - كَأَنَّهُ يَتَهَاوَنُ بِهِ - فَقَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم: «وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ عَلَى مَنَاخِرِهِمْ فِي النَّارِ إِلَّا هَذَا؟» وَأَخَذَ بِطَرَفِ لِسَانِهِ [1] .

(1) - المعجم الكبير للطبراني (20/ 175) (374) حسن لغيره

وَهَذَا الْحَدِيثُ أَصْلٌ فِي قِصَرِ الْأَمَلِ فِي الدُّنْيَا، وَأَنَّ الْمُؤْمِنَ لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَتَّخِذَ الدُّنْيَا وَطَنًا وَمَسْكَنًا، فَيَطْمَئِنَّ فِيهَا، وَلَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ فِيهَا كَأَنَّهُ عَلَى جَنَاحِ سَفَرٍ: يُهَيِّئُ جِهَازَهُ لِلرَّحِيلِ. وَقَدِ اتَّفَقَتْ عَلَى ذَلِكَ وَصَايَا الْأَنْبِيَاءِ وَأَتْبَاعِهِمْ، قَالَ تَعَالَى حَاكِيًا عَنْ مُؤْمِنِ آلِ فِرْعَوْنَ أَنَّهُ قَالَ: {يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ} [غافر: 39] [غَافِرٍ: 39] . «وَكَانَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ: مَا لِي وَلِلدُّنْيَا إِنَّمَا مَثَلِي وَمَثَلُ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رَاكِبٍ قَالَ فِي ظِلِّ شَجَرَةٍ ثُمَّ رَاحَ وَتَرَكَهَا» . «وَمِنْ وَصَايَا الْمَسِيحِ عَلَيْهِ السَّلَامُ لِأَصْحَابِهِ أَنَّهُ قَالَ لَهُمْ: اعْبُرُوهَا وَلَا تَعْمُرُوهَا» ، وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ ذَا الَّذِي يَبْنِي عَلَى مَوْجِ الْبَحْرِ دَارًا، تِلْكُمُ الدُّنْيَا، فَلَا تَتَّخِذُوهَا قَرَارًا» . وَدَخَلَ رَجُلٌ عَلَى أَبِي ذَرٍّ، فَجَعَلَ يُقَلِّبُ بَصَرَهُ فِي بَيْتِهِ، فَقَالَ: يَا أَبَا ذَرٍّ، أَيْنَ مَتَاعُكُمْ؟ قَالَ: إِنَّ لَنَا بَيْتًا نُوَجِّهُ إِلَيْهِ، قَالَ: إِنَّهُ لَا بُدَّ لَكَ مِنْ مَتَاعٍ مَا دُمْتَ هَاهُنَا، قَالَ: إِنَّ صَاحِبَ الْمَنْزِلِ لَا يَدَعُنَا فِيهِ. جامع العلوم والحكم ت الأرنؤوط (2/ 377)

وَحَاصِلُهُ أَنَّ آفَاتِ اللِّسَانِ أَسْرَعُ الْآفَاتِ لِلْإِنْسَانِ وَأَعْظَمُهَا فِي الْهَلَاكِ وَالْخُسْرَانِ، فَالْأَصْلُ مُلَازَمَةُ الصَّمْتِ حَتَّى تَتَحَقَّقَ السَّلَامَةُ مِنَ الْآفَاتِ وَالْحُصُولُ عَلَى الْخَيْرَاتِ، فَحِينَئِذٍ تَخْرُجُ تِلْكَ الْكَلِمَةُ مَخْطُومَةً وَبِأَزِمَّةِ التَّقْوَى مَزْمُومَةً، وَهَذَا مِنْ جَوَامِعِ الْكَلِمِ ; لِأَنَّ الْكَلَامَ كُلُّهُ خَيْرٌ أَوْ شَرٌّ أَوْ آيِلٌ إِلَى أَحَدِهِمَا، فَدَخَلَ فِي الْخَيْرِ كُلُّ مَطْلُوبٍ مِنْ فَرْضٍ، وَنَفْلٍ فَأَذِنَ فِيهِ عَلَى اخْتِلَافِ أَنْوَاعِهِ، وَدَخَلَ فِيهِ مَا يَؤُولُ إِلَيْهِ، وَمَا عَدَا ذَلِكَ مِمَّا هُوَ شَرٌّ، أَوْ يَؤُولُ إِلَيْهِ، فَأُمِرَ بِالصَّمْتِ عَنْهُ، فَكُلُّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ حَقَّ الْإِيمَانِ خَافَ وَعِيدَهُ وَرَجَا ثَوَابَهُ، وَمَنْ آمَنَ بِالْيَوْمِ الْآخِرِ اسْتَعَدَّ وَاجْتَهَدَ فِي فِعْلِ مَا يَدْفَعُ بِهِ أَهْوَالَهُ، فَيَأْتَمِرُ بِالْأَوَامِرِ وَيَنْتَهِي عَنِ النَّوَاهِي، وَيَتَقَرَّبُ لِمَوْلَاهُ بِمَا يُقَرِّبُهُ إِلَيْهِ، وَيَعْلَمُ أَنَّ مِنْ أَهَمِّ مَا عَلَيْهِ ضَبْطَ جَوَارِحِهِ، وَمِنْ أَكْثَرِ الْمَعَاصِي عَدَدًا وَأَيْسَرِهَا فِعْلًا مَعَاصِي اللِّسَانِ، وَقَدِ اسْتَقْرَأَ الْمُحَاسِبُونَ لِأَنْفُسِهِمْ آفَاتِ اللِّسَانِ، فَزَادَتْ عَلَى الْعِشْرِينَ، وَأَرْشَدَ - صلى الله عليه وسلم - إِلَى ذَلِكَ جُمْلَةً، فَقَالَ: «وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ عَلَى مَنَاخِرِهِمْ فِي النَّارِ إِلَّا حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ» إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ، فَمَنْ آمَنَ بِذَلِكَ حَقَّ إِيمَانِهِ اتَّقَى اللَّهَ فِي لِسَانِهِ. شرح الزرقاني على الموطأ (4/ 477)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت