فهرس الكتاب

الصفحة 43 من 49

أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين

26 -عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - سَرِيَّةً إِلَى خَثْعَمٍ فَاعْتَصَمَ نَاسٌ مِنْهُمْ بِالسُّجُودِ، فَأَسْرَعَ فِيهِمُ الْقَتْلَ قَالَ: فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - فَأَمَرَ لَهُمْ بِنِصْفِ الْعَقْلِ وَقَالَ: «أَنَا بَرِيءٌ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ يُقِيمُ بَيْنَ أَظْهُرِ الْمُشْرِكِينَ» . قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ لِمَ؟ قَالَ: «لَا تَرَاءَى نَارَاهُمَا» [1] .

(1) - سنن أبي داود (3/ 45) (2645) صحيح لغيره

قال الخطابي: إنما أمر بنصف العقل، ولم يكمل لهم الدية -بعد علمه بإسلامهم- لأنهم قد أعانوا على أنفسهم بمقامهم بين ظهراني الكفار، فكانوا كمن هلك بجناية نفسه وجناية غيره. فسقط حصة جنايته من الدية.

وأما اعتصامهم بالسجود فإنه لا يُمحِّص الدلالة على قبول الدين، لأن ذلك قد يكون منهم في تعظيم السادة والرؤساء، فعُذِروا لوجود الشبه. وفيه دليل على أنه إذا كان أسيرًا ي أيديهم فأمكنه الخلاص والانفلات منهم لم يحل له المقام معهم، وإن حلَّفوه فحلف لهم أن ايخرج، كان الواجب أن يخرج، إلا أنه إن كان مكرهًا على اليمين لم تلزمه الكفارة، وإن ان غير مكره كانت عليه الكفارة عن يمينه.

وعلى الوجهين جميعًا، فعليه الاحتيال للخلاص، وقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"من حلف على يمين فرأى غيرها خيرًا منها فليأت الذي هو خير، وليكفّر عن يمينه".

وقوله:"لا تَراءى ناراهما: فيه وجوه: أحدها: معناه: لا يستوي حكماهما، قاله بعض أهل العلم."

وقال بعضهم: معناه: أن الله قد فرق بين داري الإسلام والكفر، فلا يجوز لمسلم أن يُساكن الكفار في بلادهم، حتى إذا أوقدوا نارًا كان منهم بحيث يراها.

وفيه دلالة على كراهة دخول المسلم دار الحرب للتجارة والمقام فيها أكثر من مدة أربعة أيام.

وفيه وجه ثالث ذكره بعض أهل اللغة، قال: معناه لا يتَّسم المسلم بسِمَة المشرك، ولا يتشبه به في هديه وشكله، والعرب تقول:"ما نار بعيرك؟"أي: ما سِمَتُه، ومن هذا قولهم:"نارها نجارها"يريدون: أن مِيسَمها يدل على كَرَمِها وعِتقها، ومنه قول الشاعر:

حتى سقوا آبالهم بالنار ... والنار قد تشفي من الأُوار

يريد: أنهم يعرفون الكرام منها بسِماتها، فيقدمونها في السقي على اللئام. سنن أبي داود ت الأرنؤوط (4/ 282)

وهذا محمولٌ على من لَمْ يَأْمَنْ على دينه؛ وتأتي قريبًا تفرقة في ذلك؛ قال: وقد أطلق ابن التِّينِ أن الهِجْرة من مكة إلى المدينة كانت واجبة، وأن من أقام بمكة بعدما هاجر النبي - صلى الله عليه وسلم -، إلى المدينة بغير عذر كان كافرًا، وهو إطلاق مردود.

قلت: ما قاله ابن التِّين موافق لما مر عن الوَنْشرِيْسِيّ في"معياره"و"لباب التأويل"، ثم قال عند حديث عائشة المار:"لا هجرةَ اليومَ ... الخ"أشارت عائشة إلى بيان مشروعية الهجرة، وأن سببها خوف الفتنة، والحكم يدور مع علته، فمقتضاه أن من قدر على عبادة الله في أي موضع اتفق، لم تجِب عليه الهجرة منه، وإلا وجبت. ومن ثم قال الماوَرْدِيُّ: إذا قَدِرَ على إظهار الدين في بلد من بلاد الكفر؛ فقد صارت البلدة به دار إسلام؛ فالإِقامة فيها أفضل من الرِّحْلة منها، لما يُتَرَجّى من دخول غيره في الإِسلام. قال: وقال البغوي في"شرح السنة": يحتمل الجمع بينها بأن قوله:"لا هجرة بعد الفتح"أي من مكة إلى المدينة، وقوله:"لا تنقطعُ"أي من دار الكفر في حق من أسلم إلى دار الإِسلام. قال: وقد أفصح ابن عُمر بالمراد فيما أخرجه الإِسماعيليُّ بلفظ:"انْقَطَعَتِ الهجرة بعد الفتح إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولا تنقطعُ الهجرةُ ما قوتلَ الكفارُ". أي ما دام في الدنيا دار كفر؛ فالهجرة منها واجبة على من أسلم، وخشي أن يُفتَنَ عن دينهِ. ومفهومه أنه لو قُدِّرَ على أن لا يبقى في الدنيا دار كفر، فإن الهجرة تنقطع لانقطاع موجبها، والله أعلم.

قلت: تبقى الهجرة من بلد تكثر فيه المعاصي أو البدع إلى بلد أخف منه في ذلك، كما مر في حديث معاوية، وعبد الرحمن بن عوف عند أحمد، ثم قال عند حديث ابن عباس السابق:"لا هجرة بعد الفتح"أي فتح مكة، أو المراد ما هو أعم من ذلك إشارة إلى أن حكم غير مكة في ذلك حكمها، فلا تجب الهجرة من بلد قد فتحه المسلمون. أما قبل فتح البلد فمن به من المسلمين أحد ثلاثة:

الأول: قادرٌ على الهجرةِ منها لا يُمكنه إظهار دينه بها، ولا أداء واجباته؛ فالهجرة منه واجبةٌ.

الثاني: قادر لكنه يمكنه إظهار دينه، وأداء واجباته، فمستحبة لتكثير المسلمين، ومعونتهم، وجهاد الكفار، والأمن من غدرهم، والراحة من رؤية المنكر بينهم.

الثالث: عاجز بعذر، من أسر، أو من سن، أو غيره، فتجوز له الإِقامة. فإن حَمَلَ على نفسه، وتَكَلَّفَ الخروج منها أُجِرَ.

وقد أطلت في بحث الهجرة لمسيس الحاجة به في هذا الزمان إن وجد بلد يُهاجَر إليه. انتهى الكلام على متن الحديث. كوثر المعاني الدراري في كشف خبايا صحيح البخاري (1/ 152)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت