فهرس الكتاب

الصفحة 26 من 109

لقد كان السلف الصالح يمتازون بمعاملتهم لأهل البدع بالشدّة والقسوة، وكانوا يعدون هذه الشدة على أهل الأهواء والبدع من المناقب والممادح التي يمدح بها الرجل عند ذكره، فكم من إمام في السنّة قد قيل في ترجمته مدحًا له كان شديدًا في السنّة، أو كان شديدًا على أهل الأهواء والبدع.

وما كان باعثهم على هذه الشدّة إلا الغيرة والحميّة لهذا الدين، والنصيحة لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم.

كما قال ابن الجوزي عن الإمام أحمد -رحمه الله: (( وقد كان الإمام أبو عبد الله أحمد بن حنبل لشدة تمسكه بالسنّة ونهيه عن البدعة يتكلم في جماعة من الأخيار إذا صدر منهم ما يخالف السنّة، وكلامه ذلك محمول على النصيحة للدين ) ) (1) .

ولكن - والله المستعان - قد انقلبت هذه الموازين، وتغيرت هذه المفاهيم فأصبح اللين والموادعة لأهل البدع هي المطلوبة، بل هي الواجبة والممدوحة.

وأصبحت الشدّة على أهل البدع يمتاز بها أُناس معيّنون قليلون، وأهل زماننا لهم عائبون.

ولو أن أهل العلم وطلابه ابتدروا تلك البدع وأهلها بالشدّة والنهر والنبذ والطرد، لاجتثت تلك البدع من جذورها ولتوقف مدّها، ولبقيت ديارنا طاهرةً تُعمر بالسنّة وأهلها.

قال ابن القيّم - رحمه الله - (2) :

(( ومن تأمل أحوال الرسل مع أممهم؛ وجدهم كانوا قائمين بالإنكار عليهم أشدّ قيام حتى لقوا الله تعالى، وأوصوا من آمن بهم بالإنكار على من خالفهم وأخبر النبي - - صلى الله عليه وسلم -: أنّ المتخلّص من مقامات الإنكار الثلاثة ليس معه من الإيمان حبّة خردل، وبالغ في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أشدّ المبالغة، حتى قال: (( إن الناس إذا تركوه؛ أوشك أن يعمهم الله بعقاب من عنده ) ).

وأخبر أن تركه يمنع إجابة دعاء الأخيار ويوجب تسلّط الأشرار.

(1) مناقب الإمام أحمد ( ص: 253 ) .

(2) مدارج السالكين ( 3/ 123 ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت