مع صحة المعنى، قاله الموضح في شرح القطر1، والمرادي في شرح النظم2. وظاهر قول الناظم:
وشرط جزم بعد النهي أن تضع ... إن قبل لا دون تخالف يقع
أنك"تضع"إن"قبل"لا الناهية، بالهاء. وشرحه على ذلك الشاطبي."فمن ثم"؛ بفتح التاء المثلثة؛ أي من أجل هذا الشرط"جاز: لا تدن من الأسد تسلم؛ بالجزم"، لصحة قولك: إن لا تدن من الأسد تسلم، لأن السلامة مسببة عن عدم الدنو."ووجب الرفع في نحو: لا تدن من الأسد يأكلك"، لعدم صحة قولك: إن لا تدن من الأسد يأكلك. لأن الأكل لا يتسبب عن عدم الدنو، وإنما يتسبب عن الدنو نفسه3.
ولهذا الشرط أجمعت السبعة على الرفع4 في قوله تعالى: {وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ} [المدثر: 6] ."وأما"قوله صلى الله عليه وسلم:"من أكل من هذه الشجرة"فلا يقرب مسجدنا يؤذنا"بريح الثوم"5."فالجزم"في"يؤذنا"؛ بحذف الياء؛"على الإبدال"من"يقرب"بدل اشتمال،"لا"على الجواب"للنهي، لعدم صحة: إن لا يقرب يؤذنا، لأن الإيذاء إنما يتسبب عن القرب لا عن عدمه. ولم يشترط الكسائي، قيل: والكوفيون قاطبة، هذا الشرط، واحتجوا بالقياس على النصب، فإنه يجوز: لا تدن من الأسد فيأكلك، بالنصب، وفي التنزيل: {لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ} [طه: 61] ، وبقول أبي طلحة6 للنبي -صلى الله عليه وسلم:"لا تشرف يصبك سهم"7، ويروى: لا تتطاول يصبك، وبالحديث:"لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض"8."
1 شرح قطر الندى ص82.
2 شرح المرادي 4/ 213.
3 في شرح ابن الناظم ص487:"وأجاز الكسائي جزم جواب النهي مطلقًا".
4 وقرأها الحسن وابن أبي عبلة"تستكثر"؛ بالجزم، وقرأها الأعمش ويحيى"تستكثر"؛ بالنصب. انظر المحتسب 2/ 337، والبحر المحيط 8/ 372، وانظر ما تقدم في الجزء الأول من شرح التصريح 89.
5 أخرجه البخاري في صفة الصلاة، باب ما جاء في النوم رقم 815، 816، وهو من شواهد أوضح المسالك 4/ 189، وشرح ابن الناظم ص487.
6 في"ب":"وقول طلحة".
7 الحديث في النهاية 2/ 461، 562، أي لا تشرف من أعلى الموضع، وفيه:"كان أبو طلحة حسن الرمي، فكان إذا رمى استشرفه النبي -صلى الله عليه وسلم- لينظر إلى مواقع نبله أي يحقق نظره ويطلع عليه. وأصل الاستشراف أن تضع يدك على حاجبك وتنظر، كالذي يستظل من الشمس حتى يستبين الشيء".
وانظر شرح ابن الناظم ص487.
8 أخرجه البخاري في كتاب العلم برقم 121، وأعاده برقم 4143، 6475، 6669.