الصفحة 14 من 20

النوافل وكأنهم قد ضيعوا الفرائض؛ قال الفضيل بن عياض: «أدركت أقوامًا يستحيون من الله في سواد الليل من طول الهجيعة» . وقال يحيى بن معاذ: «من استحيي من الله مطيعًا استحيى الله منه وهو مذنب» ... وهذا كلام يحتاج إلى شرح: أي من غلب عليه خُلُق الحياء من الله حتى في طاعته، استحيي الله أن يرى من يكرم عليه في حال يشينه عنده. وفي الواقع شاهد على ذلك: فإن الرجل إذا اطلع على أخص الناس به وأحبهم إليه وأجلهم عنده، وهو يفعل ما يشين أو ما يخونه فيه، فإنه يشعر عند ذلك بحياء عجيب حتى كأنه هو ذلك الجاني، وهذا غاية الكرم والمحبة؛ لأنه لو كان الجاني ليس له به صلة أو أنه لا يجعله، فإن الشعور الذي سيكون تجاهه المقت والبغض.

ثم قال يحيى بن معاذ: سبحان من يذنب عبده ويستحي منه. وقد قيل: «من استحيا من الله، استحيا الله منه» .

ويجدر هنا أن ننبِّه إلى أن حياء الرب صفة من صفاته الثابتة بالكتاب والسنة وهي كسائر صفاته عزَّ وجلَّ لا تدركها الأفهام ولا تكيفها العقول، بل نؤمن بها من غير تمثيل ولا تكييف، وحياء الله عز وجل صفة كمال، ومن لوازمها الكرم والفضل والجود والجلال.

ففي الحديث: «إن الله حيي كريم يستحيي من عبده إذا رفع يديه أن يردّهما صفرًا» [1] .

عجيب شأن هذا العبد المسكين لا يستحيي من ربه وهو ينعم عليه أناء الليل والنهار مع فقره الشديد، والرب العظيم يستحيي من عبده مع غناه وعدم حاجته إليه.

(1) فتح الباري (12/ 428) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت