الصفحة 30 من 58

ولما أنكر إبراهيم عليه السلام على قومه ببابل عبادتهم للأصنام، وقام فكسرها، وناظرهم في عبادتها، أجمعوا أمرهم على إلقائه في النار وتحريقه بها وظلوا يجمعون حطبًا من كل الأماكن لمدة طويلة، ثم أضرموا فيه نارًا عظيمة لم يُرَ لها مثيل، ووضعوا إبراهيم في كفة منجنيق، والقوه في النار، وهو يقول: حسبي الله ونعم الوكيل، فكانت النار بردًا وسلامًا عليه بأمر الله.

يقول ابن عباس رضي الله عنهما: «حسبنا الله ونعم الوكيل: قالها إبراهيم عليه السلام حين ألقي في النار، وقالها محمد - صلى الله عليه وسلم - حين قالوا: {إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ} [آل عمران: 173] » [1] .

وهكذا كان إبراهيم عليه السلام واثقًا في ربه راجيًا رحمته، عنده الأمل واليقين في نصر الله ووقوفه بجانب المؤمنين، فكان هذا الأمل واليقين في الله قوة تعينه على أعباء الدعوة ونورًا يضيء له الطريق.

وها هو ذا عندما يبلغ الكبر، ويصير شيخًا كبيرًا في السن، وزوجته سارة عاقر لا تلد - لا يفقد الأمل في أن يرزقه الله بالأولاد والذرية الصالحة، فيدعو ربه قائلًا: {رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ} [الصافات: 100] ، فرزقه الله سبحانه بإسماعيل من زوجته هاجر، وقيل إن سن إبراهيم عند مولد إسماعيل قد بلغ ستًا وثمانين سنة، ثم يأخذ إبراهيم عند مولد إسماعيل عند البيت الحرام امتثالًا لأمر الله - وكانت مكة وقتذاك صحراء قاحلة لا أنيس فيها ولا جليس - فترك

(1) أخرجه البخاري في صحيحه كتاب تفسير القرآن، ح (4563) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت