الصفحة 113 من 277

وأما القسم الثالث: وهو أن يكون المراد به كان لا شيء معه وبعد ذلك كان عرشه على الماء وكتب في الذكر ثم خلق السموات والأرض، فليس في هذا إخبار بأول ما خلقه الله مطلقًا، بل ولا فيه إخباره بخلق العرش والماء، بل إنما فيه إخباره بخلق السموات والأرض، ولا صرح فيه بأن كون عرشه على الماء كان بعد ذلك، بل ذكره بحرف الواو، والواو للجمع المطلق والتشريك بين المعطوف والمعطوف عليه. وإذا كان لم يبين الحديث أول المخلوقات ولا ذكر متى كان خلق العرش الذي أخبر انه كان على الماء مقرونًا بقوله:"كان الله ولا شيء معه"، دل ذلك على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يقصد الإخبار بوجود الله وحده قبل كل شيء، وبابتداء المخلوقات بعد ذلك؛ إذ لم يكن لفظه دالًا على ذلك، وإنما قصد الإخبار بابتداء خلق السموات والأرض.

(الوجه السابع) أن يقال: لا يجوز أن يجزم بالمعنى الذي أراده الرسول - صلى الله عليه وسلم - إلا بدليل يدل على مراده، فلو قدر أن لفظه يحتمل هذا المعنى وهذا المعنى لم يجز الجزم بأحدهما إلا بدليل، فيكون إذا كان الراجح هو أحدهما فمن جزم بأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - أراد ذلك المعنى الآخر فهو مخطىء.

(الوجه الثامن) : أن يقال: هذا المطلوب لو كان حقًا لكان أجل من أن يحتج عليه بلفظ محتمل في خبر لم يروه إلا واحد، ولكان ذكر هذا في القرآن والسنة من أهم الأمور؛ لحاجة الناس إلى معرفة ذلك؛ لما وقع من الاشتباه والنزاع واختلاف الناس. فلما لم يكن في السنة ما يدل على هذا المطلوب؛ لم يجز إثباته بما يظن أنه معنى الحديث بسياقه، وإنما سمعوا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"كان الله ولا شيء معه"فظنوه لفظًا ثابتًا مع تجرده عن سائر الكلام الصادر عن النبي - صلى الله عليه وسلم -،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت